من الإدعاء إلي العمل؛ نظرة على ممارسات الخوارج المعاصرين المشينة! الجزء الثاني عشر والأخیر

أسامة نهضت

منذ اللحظات الأولى لظهور خوارج داعش وحتى يومنا هذا، ظلّوا يرفعون شعارات الرفاه في الدنيا والآخرة. فمن قادتهم إلى أدنى عناصرهم رتبةً، الذين كانوا يظهرون في مقاطع دعائية براقة ومضلِّلة، كانوا جميعًا يتحدثون عن إعمار دنيا الأمة الإسلامية وآخرتها، لكن ذلك لم يكن سوى ادّعاء بلا عمل.

نعم! فرغم أن خوارج داعش كانوا يطلقون ادّعاءات معسولة وجذابة، مليئة بشعارات الخير، ويقدّمون أنفسهم دعاةَ إصلاح وصلاح، فإنهم في الواقع سلكوا طريقًا معاكسًا تمامًا؛ فلم يكتفوا بتخريب دنيا الأمة حتى جعلوها خرابًا لا يصلح للحياة، بل دمّروا كذلك آخرة أولئك الذين انضمّوا إليهم وساروا في ركابهم.

كلّ موطئ قدم وطأته داعش في أرضٍ من أراضي المسلمين، كان تحت عناوين زائفة كـ«إقامة الخلافة» و«إعلان الحرب على العالم»، يتحوّل سريعًا إلى خراب؛ إذ دمّروا المدن والقرى، وهدّموا بيوت المسلمين ومساكنهم. وتشهد مدن كثيرة في العراق والشام على هذه الحقيقة، مثل الموصل في العراق والرقة في الشام، فمع أنها تخلّصت من طاعون داعش، إلا أن آثار الدمار الذي خلّفته هذه الجماعة البغيضة لا تزال واضحة للعيان حتى اليوم.

ولم يكن تدمير المدن سوى المظهر الخارجي لهذه الكارثة؛ أما ما جعل داعش أشدّ بُغضًا ونفورًا في نظر الأمة الإسلامية، فهو عقيدتهم الفاسدة، وتفسيراتهم المنحرفة والمحرّفة والمتطرفة للأحكام الإسلامية المقدسة؛ وهي الأسباب نفسها التي أدّت إلى أن لا يدمّروا دنيا الأمة فحسب، بل لم يتركوا لآخرتها نصيبًا من الرحمة كذلك.

ومن خلال حملات دعائية واسعة ومنظمة، والاستغلال السيئ والآلي للشعائر الدينية، تمكّن داعش من استقطاب عدد كبير من المسلمين، واستغلال مشاعرهم أداةً للتجنيد؛ أولئك الذين وقعوا، عن قصد أو عن غير قصد، في شِراك فتنة الخوارج، وقدّموا حياتهم وقودًا لإشعال نار تلك الفتنة.

لقد أثبت خوارج داعش عمليًا أنهم لا علاقة لهم بإعمار دنيا المسلمين ولا آخرتهم. فأينما حلّوا زال الأمن، وانقطعت أرزاق الناس، وتحولت الحياة الطبيعية إلى كابوس مرير ومخيف. والمسلمون الذين كانوا يعيشون بالأمس في بيوتهم بطمأنينة، إما أصبحوا مشرّدين، أو قضوا تحت أنقاض الادّعاءات الكاذبة لداعش.

ولم تتوقف الفاجعة عند هذا الحد؛ بل إن داعش، بهذه الأفعال نفسها، جعل آخرة أتباعه ساحة عبث ولهو. فالشباب السذّج الذين انضمّوا إليهم طلبًا للقرب من الله تعالى، وابتغاء مرضاته، وأملًا في الجنة، دُفعوا إلى طريق ملطّخ بالدماء والظلم والاعتداء وانتهاك حقوق عباد الله؛ طريق لا تفوح منه رائحة العبادة، ولا تُرى فيه أنوار الهداية.

وباسم الإسلام، وبقتل المسلمين، وبالتكفير العشوائي القاسي، لم يضيّق خوارج داعش الخناق على حياة الأمة الدنيوية فحسب، بل حمّلوا أتباعهم أيضًا أوزارًا ثقيلة من الذنوب التي لا تُغتفر. فبدل البناء اختاروا الهدم، وبدل الهداية ساقوا الناس إلى مهاوي الهلاك.

وخلاصة الأمر إن ما تبقّى من داعش لم يكن خلافة ولا إعمارًا، بل دنيا محروقة وآخرة مدمّرة لأولئك الذين وقعوا ضحية شعاراتهم اللامعة الخادعة؛ حقيقة مريرة ومؤلمة دفعت الأمة الإسلامية ثمنها غاليًا.

Exit mobile version