أسباب النزاعات الجارية في باكستان! الجزء الثانی والأخیر

إقبال حمزة

لننتقل إلى مسألة كيف يُحمّل النظامُ العسكريّ في باكستان إخفاقاته لأفغانستان.

مع عودة الإمارة الإسلامية في أفغانستان إلى الحكم، أبدى مسؤولو النظام العسكري الباكستاني قلقهم إزاء أولئك المهاجرين المظلومين الذين اضطرّوا إلى اللجوء إلى أفغانستان بسبب ما تعرّضوا له من انتهاكات وظلم على يد الجيش الباكستاني. فقد كان هذا النظام يدرك حجم المظالم التي ارتكبها بحقّ هؤلاء المسلمين البسطاء، وكان يخشى تبعات أفعاله وردود الفعل المحتملة عليها.

وبما أنّ سياسة الإمارة الإسلامية تقوم على عدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية للإضرار بأيّ دولةٍ مجاورة، وقد أثبتت ذلك عمليًا أمام العالم، فقد دعت مجلس العلماء وأقنعت أولئك الإخوة المهاجرين بأن يعيشوا في كنف السلام والطمأنينة، مؤكدةً أنها ستتكفّل بخدمتهم ورعاية شؤونهم. ولتبديد مخاوف باكستان، جرى نقل هؤلاء المهاجرين من المناطق الحدودية إلى المناطق المركزية في البلاد بكلّ عزّةٍ واحترام.

ورغم أنّ مسؤولية النظام العسكري الباكستاني كانت تقتضي طمأنة شعبه وإعادتهم إلى ديارهم بكرامة، فإنّ الجنرالات الباكستانيين المدمنين على الدولارات لم يكتفوا بعدم رعاية شعبهم، بل رفضوا أيضًا إعادتهم إلى وطنهم.

وانطلاقًا من مبدأ الأخوّة الإسلامية، قامت الإمارة الإسلامية بنقل أولئك المهاجرين إلى مناطق أخرى، وتلطفت بهم، ولا يملك النظام العسكري الباكستاني أيّ دليل يثبت أنّ هؤلاء المهاجرين تسببوا، ولو ليومٍ واحد خلال السنوات الخمس الماضية، في زعزعة الأمن داخل باكستان. إذ إنّ الإمارة أخذت منهم تعهّدًا بالعيش في إطار السلم، وفرضت عليهم قيودًا واضحة، كما تشهد أطرافٌ ثالثة أنّ النظام العسكري الباكستاني لا يُبادر إلى الجلوس على طاولة المفاوضات، وإن جلس فإنه يطرح مطالب بعيدة عن المنطق والعقل. ومنذ اليوم الأول، أعلنت الإمارة الإسلامية سعيها إلى حلّ المشكلات بالطرق السلمية، وعدم رغبتها في الانخراط في حرب مع أيّ دولة أو السماح باستخدام الأراضي الأفغانية للإضرار بالآخرين.

غير أنّ جوهر المسألة يكمن في أنّ تدفّق الدولارات إلى النظام العسكري الباكستاني قد توقّف مع استتباب الأمن. ولذلك يسعى عمدًا إلى إشعال التوترات وافتعال الأزمات في المنطقة، حتى يُعيد فتح قنوات التمويل عبر بوابة الحروب كما كان في السابق. وفي المقابل، بذلت الإمارة الإسلامية كلّ ما في وسعها للحفاظ على أمن المنطقة. وخلال عامين متتاليين، حاول النظام الباكستاني يوميًا تجاوز خطّ ديورند، ومع ذلك قابلته الإمارة بضبط النفس. وعلى امتداد السنوات الخمس الماضية، لا يستطيع أحد أن يثبت أنّ أيّ حالة من عدم الاستقرار على هذا الخطّ المزعوم كانت صادرة عن جانب الإمارة.

خلال الأشهر القليلة الماضية، شنّ النظام الباكستاني هجومًا على أفغانستان، غير أنّ الإمارة ردّت في المرة الأولى بضربة انتقامية لم يُصَب فيها أيّ مدني بأذى. وبعد ذلك، عاد النظام العسكري الباكستاني فشنّ هجومين علنيين آخرين على الأراضي الأفغانية. ورغم أنّ حقّ الدفاع عن النفس حقٌّ مشروع ومسلّم للإمارة، فإنها امتنعت مجددًا عن تنفيذ عمليات انتقامية أو دفاعية، حرصًا على حماية المدنيين وصون أمن المنطقة.

غير أنّ النظام الباكستاني عاد قبل أيام فشنّ عدوانًا جديدًا وغير مبرر على الأراضي الأفغانية، أسفر عن استهداف مدارس ومصاحف ومدنيين من رجال ونساء وأطفال. واليوم، بلغ صبر الأفغان منتهاه، ولم يُعرف عنهم عبر التاريخ أنهم تخلّوا عن الثأر. ومن حقّ الإمارة الإسلامية المشروع والمسلّم أن تدافع عن شعائرها الإسلامية وعن شعبها، وأن تردّ على الاعتداء بالمثل. وعليه، فإنّ المسؤولية الكاملة عن أيّ تصعيدات قادمة ستقع على عاتق الدوائر الخاصة داخل النظام العسكري الباكستاني، تلك التي ترى في إراقة دماء المسلمين وسيلةً لبقاء نفوذها واستمرار سلطتها.

لماذا فشلت المفاوضات؟

1- توجد داخل الجيش الباكستاني حلقةٌ خاصة ترى في استمرار الحرب ضمانًا لبقاء نفوذها وتحقيق مصالحها الشخصية؛ ولذلك فهي لا ترغب عمدًا في أن يسود الأمن في المنطقة.
2- ثمة خلافات عميقة بين النظام العسكري الباكستاني والسياسيين في البلاد.
3- كما أنّ الجنرالات الباكستانيين أنفسهم يعانون انقسامات داخل المؤسسة العسكرية.
4- يعتقد بعض الجنرالات أنّ الغربيين سيعودون مجددًا إلى المنطقة، وأنّ الدولارات ستتدفق عليهم كما في السابق، فيحصلون على امتيازات تحت شعار “ضحايا الإرهاب”، ويستثمرونها في شراء الجزر وقاعات الأفراح في الغرب.
5- يلجأ النظام العسكري الباكستاني إلى إشغال الرأي العام بحرب خارجية لتهدئة الداخل وإسكات خصومه السياسيين.
6- وخلال مسار المفاوضات، يُوفِد أشخاصًا يفتقرون إلى الكفاءة والقدرة الحقيقية على التفاوض.

إذا تأمّلنا، تبدو دعوى باكستان بأنّ معارضيها ينطلقون من أفغانستان لتنفيذ هجمات داخل أراضيها ادعاءً يفتقر إلى المنطق. أليس من الغريب أن جيشا يصف نفسه بالأول عالميًا، ثم يعجز في الوقت ذاته عن حماية حدوده؟

يدّعي النظام العسكري الباكستاني أنه يمتلك مليون جندي وطائرات ووسائل تقنية متطورة، ومع ذلك يطالب الإمارة، بكلّ جرأة، بأن تتولى حماية ما يسميه الخطّ الفاصل. فما جدوى هذا الجيش الضخم إذًا؟

والأكثر إثارةً للاستغراب أنّ أجهزة الاستخبارات الباكستانية تزعم أنها استهدفت ما تصفه بـ«الإرهابيين» داخل أفغانستان، وهي ادعاءات كذّبتها الوقائع التي شاهدها العالم، حيث لم يكن بين الضحايا سوى نساء وأطفال. وحتى لو افترضنا جدلًا صحة تلك المزاعم، فكيف لجهازٍ استخباراتي يعجز عن منع مئات الهجمات اليومية داخل بلاده، وتفجيرات السيارات المفخخة في قلب إسلام آباد، أن يدّعي امتلاك معلومات دقيقة خارج حدوده؟ وإذا كانت لديه فعلًا معلومات عن عناصر مسلحة في أفغانستان، فلماذا لا يلاحقها عند عبورها الخطّ المزعوم، بدلًا من شنّ عدوانٍ مباشر على الأراضي الأفغانية؟

وفي الختام، لا بدّ من القول إنّ الجنرالات الباكستانيين يلعبون بالنار نفسها التي أحرقت من قبل أساتذتهم ورعاتهم من الجنرالات الأميركيين. فإذا ما بدأت الإمارة سلسلة الردّ والانتقام، فلن ينعموا بعدها بالهدوء في مضاجعهم كما لم ينعم به الأميركيون، وستمتدّ جمرات هذا اللهيب إلى قلب إسلام آباد. وستقع المسؤولية الكاملة عن ذلك على عاتق حلقةٍ خاصة داخل النظام العسكري الباكستاني، تلك التي لا تؤمن بالمفاوضات ولا ترغب في السلام.

Exit mobile version