كانت أيام شهر رمضان المبارك تقترب؛ شهر الرحمة والمغفرة والبركة، شهرٌ تعمّ فيه السكينة والرأفة وتزول فيه الأحقاد والضغائن. كان قلب الشعب الأفغاني متوجّهاً إلى الله جلّ جلاله، وببركة رمضان مسحوا يد الرحمة حتى على عدوّهم. فقد أفرجت الإمارة الإسلامية، تعظيماً لحرمة الشهر، عن ثلاثة جنود باكستانيين كانوا قد أُسروا العام الماضي في الاشتباكات الحدودية، وأطلقت سراحهم بصدر رحب.
كان هذا الفعل إحساناً عظيماً من الشعب الأفغاني، ورسالةً واضحة مفادها أننا دعاة سلام، وأخوّة، وأخلاق إسلامية. أردنا لرمضان أن يكون شهر رحمة لا شهر مشقة. ولكن لم تمضِ إلا أيام قليلة حتى جاء الجيش الباكستاني الناكر للجميل بطيشِه وجحوده، فحرّك سلاحه الجوي، وبدأ بقصف وحشي على ذلك الشعب المظلوم نفسه الذي أحسن إليه في شهر الرحمة. ففي ننكرهار دمّر عائلة كاملة من النساء والأطفال وسواهم، ولم ينجُ سوى اثنين. وفي بكتيا دمّر مدرسة دينية ومزّق صفحات كتاب الله جل جلاله، تماماً كما يفعل الصهاينة في غزّة حين يدمرون بيوت الله ويبعثرون كتابه.
أهذا هو جزاء الإحسان؟ وهل هذه هي أخلاقيات الإسلام والجوار؟ لا، لا، هذا لا يمتّ إلى الإسلام بصلة، ولا إلى الجوار، بل هو عداوة صريحة للإسلام والإنسانية، حيث يُقابَل الإحسان بالعدوان.
الإمارة الإسلامية أكدت رسمياً أن النظام العسكري الباكستاني استهدف المدنيين عمداً، ولكن الجيش الجبان، المخمور بغروره، أنكر قائلاً: نحن ضربنا مراكز “تحريك طالبان باكستان” و“داعش خراسان” المتورطين – بزعمهم – في الهجمات الدامية الأخيرة داخل باكستان.
حتى بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان (يوناما) أكدت وقوع ضحايا من المدنيين في القصف الباكستاني، وقناة الجزيرة بثّت تقارير موثقة من المناطق المتضررة، فما كان من باكستان إلا أن حظرت بثّ الجزيرة داخل أراضيها. أما وزارة الدفاع الأفغانية فاعتبرت الهجمات انتهاكاً لسيادة البلاد ومخالفة للقانون الدولي، وتوعّدت بـ”ردّ محسوب في الوقت المناسب”.
لم تمضِ إلا أيام حتى أُعطي الأمر لمجاهدي الإمارة بأن يثأروا لشعبهم. فانقضّ الغزاة على امتداد الخط الحدودي على مواقع الجيش الناكر للجميل، كأنهم أبابيل، وفي ساعات قليلة مزّقوا خطوط العدو وأوقعوا عشرات القتلى، ودمّروا الحصون والمقرات والمعدات، وجاؤوا بالأسرى والقتلى إلى الضفة الأفغانية.
وعندما عاد الجيش الباكستاني إلى العناد وواصل قصف القرى الحدودية واستهدف حتى العاصمة كابول، أرسل له أبطال أفغانستان أبابيلهم بهدوء إلى ما وراء تلال مارغله، وهناك ضربوا منشآت عسكرية وحساسة في قلب باكستان. لم يكن القصف على إسلام آباد وحدها، بل استُهدفت مواقع في صوابي، وأبت آباد، ونوشهره، وجمرود، ووزيرستان، وكويته… كل ذلك بنجاح تام. كأن الرسالة تقول: مقابل العاصمة العاصمة، ومقابل كل موقع موقع.
لقد ظنّ الجيش الباكستاني المرتزق أن القوات الأفغانية ضعيفة، فجاء الردّ أعنف وأقسى مما توقع بأضعاف.
الآن تصل يد الشعب الأفغاني إلى أعناقهم، وبإمكانهم الرد على كل ضربة بأشدّ منها. وإن كان سمسار المشاريع الأميركية، عاصم منير، يتجرأ ويقول:
“عندما يتعلق الأمر بأمن أي باكستاني، فليُلعن كل أفغانستان”.
أو قوله المهين:
“حياة باكستاني واحد أهم من كل أفغانستان”.
فليعلم أن حياة أصغر مجاهد في الإمارة الإسلامية أعزّ من مئة جندي من جنودكم المرتزقة. وإن كان أجدادنا قد ضحّوا بعرشهم من أجل مهاجر واحد، فاعلموا أن أبناء هذا الوطن اليوم مستعدون – إن لزم الأمر – لإضرام النار في إسلام آباد وبيشاور ولاهور وكراتشي دفاعاً عن دموع أطفالهم.
الشعب الأفغاني، الذي عاش عقوداً من الظلم الاستخباراتي والعسكري والاقتصادي الباكستاني، قد انكسر قلبه مرة أخرى… لكنه ليس انكسار ضعف، بل انكسار يولّد نار الانتقام. من رحموا عدوّهم في رمضان، اليوم مستعدون لأخذ حقّ شعبهم المظلوم من وحشية هذا الجار الغادر.
