إنّ الهجمات الوحشية التي نفذها الغزاة الباكستانيون مرة أخرى ضد المدنيين الأفغان في أيام وليالي شهر رمضان المبارك، أثبتت مجددًا أن النظام العسكري الباكستاني وحكومته الخاضعة للعسكر لا يملكون نظامًا إسلاميًا، ولا يقوم حكمهم على أي قيم أو مبادئ إسلامية، بل هم جماعة مسلحة مستأجرة لتنفيذ المشاريع الاستعمارية العالمية، لم يحققوا أي نصر في تاريخهم، ولم يرحموا شعبهم المظلوم يومًا.
لقد كان موقف النظام الباكستاني العدائي عبر التاريخ تجاه أفغانستان قائمًا على الحقد والعداء، بينما قابل الشعب الأفغاني ذلك—احترامًا لمبادئ الجوار والدين—بصدر رحب وصبرٍ أو تغافل، وإلا فإنّ السجل القانوني لخراب أفغانستان خلال العقود الماضية، مكتوب بأيدي الجنرالات الباكستانيين المأجورين وأجهزتهم الاستخباراتية، ونُفّذ عبر عملائهم. إلا أنّ الشكر لله أنّ سلسلة هذه المؤامرات انتهت مع عودة حكم الإمارة الإسلامية، فتنفّس الشعب الأفغاني الصعداء لأول مرة منذ ما يقارب نصف قرن، وحلّ الأمن والسلام، وتحقق الاستقرار الاجتماعي الحقيقي في ظل العفو العام.
وحين شاهد النظام العسكري الباكستاني هذه النعمة الإلهية والنتائج الإيجابية لسياسة الإمارة الإسلامية الحكيمة، أطلق مجددًا سلسلة من الادعاءات والاضطرابات، بدعم سياسي ومالي من رعاته الغربيين والأمريكيين.
وعلى مدى السنوات الأربع والنصف الماضية، عرضت الإمارة الإسلامية—بشجاعة وحكمة—الحوار والتفاهم بشأن كل مخاوف باكستان، لتؤكد لها أنّ أفغانستان ملتزمة بتعهداتها وبسياستها الخارجية الواضحة، ولن تسمح لأحد باستخدام أرضها ضد الآخرين. لكن من المعلوم للجميع أنّ الحكومة المدنية الباكستانية الخاضعة للجيش انسحبت من طاولة المفاوضات في قطر وتركيا، وهرعت بعيونٍ مغمضة إلى إسلام آباد.
وهذا لا يعني أنّ اعتداءاتهم وسياستهم الجائرة ستبقى بلا جواب، بل إنّ الإمارة الإسلامية أكدت أنها تمتلك لغة حوار مستقلة، وتمتلك كذلك قوة عسكرية ذات روح معنوية عالية، لها سجل مشرف في هزيمة الاحتلال الحديث للناتو وأمريكا. وقد ردّت الإمارة—عند الضرورة—بعمليات انتقامية بطولية، كان آخرها الهجمات المتزامنة على جميع النقاط الباكستانية على طول خط دوراند، والتي أدت إلى السيطرة على عدد كبير منها ومقتل عشرات الجنود الباكستانيين المستأجرين.
لكن السؤال الآن: لماذا اختار الجيش الباكستاني وحكومته الضعيفة هذا النهج المخزي والخطير؟ ولماذا تلتزم الدول الداعمة لباكستان والمجتمع الدولي الصمت، رغم أنهم رأوا بأعينهم ضحايا القصف الباكستاني الأخير في ننغر هار وبكتيكا—وهم نساء وأطفال؟
وفيما يلي أهم الدوافع:
إخفاء ضعفهم الداخلي:
النظام العسكري الباكستاني يعاني داخليًا من أزمات حادة، خاصة الاقتصادية والأمنية.
كل مواطن باكستاني اليوم مديون بآلاف الدولارات نتيجة سياسات الجيش ومشاريعه.
أما أمنيًا، فحركة “تحريك طالبان باكستان” (TTP) و”جيش تحرير بلوشستان” (BLA) واقعان داخل باكستان، والجيش منهار أمامهما، الانفجارات يومية، والضباط يُستهدفون بلا توقف.
عرقلة تقدم أفغانستان:
ترفل أفغانستان منذ أربع سنوات ونصف في الأمن والهدوء، ما سمح بإعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي.
وبعد إغلاق باكستان لطريقي تورخم وسبين بولدك، فعّلت أفغانستان طرقًا بديلة وحافظت على مستوى أعلى من الصادرات والواردات، بينما مُنع دخول البضائع الباكستانية دون أن يتأثر السوق الأفغاني.
الأفغاني مستقر، في حين تنهار الروبية الباكستانية أمام الدولار يومًا بعد يوم.
الحصول على الأموال والمشاريع الدولية:
القائد العام للجيش الباكستاني—وهو الحاكم الفعلي للبلاد—أجرى خلال فترة قصيرة عدة زيارات لأمريكا والسعودية بحثًا عن مشاريع جديدة مقابل تقديم جنوده كقوة مرتزقة لتنفيذ الأهداف الغربية.
كما أدّى دعمه لموقف السعودية في موضوع اليمن إلى توتر علاقات باكستان مع الإمارات، وإلى ارتفاع فوائد ديونها.
ولإقناع مموليهم بهذه المشاريع، يقدّمون مشاكلهم الداخلية—مثل TTP والبلوش—كقضايا “إرهاب إقليمي”، ليظهروا أنفسهم كقوة عسكرية قادرة.
تضليل الشعب الباكستاني:
النظام الباكستاني لا يصغي لشعبه المظلوم، وخاصة البشتون والبلوش، بل يعتمد على السلطة المحتكرة في إقليم البنجاب.
الجيش متورط في اغتيالات واسعة لمعارضيه ويعمل كميليشيا مقنعة.
ولكي يستمر هذا القمع، يخدعون الشعب بادعاء أنّ أفغانستان والهند وراء مشكلاتهم الداخلية، رغم أن الوثائق أثبتت بطلان ذلك مرارًا وأن الشعب الباكستاني بدأ يدرك الحقيقة.
في الختام يحق للشعب الأفغاني أن يوجه عتابًا شديدًا للمجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، التي تتشدق بشعارات الإنسانية وسيادة الدول، بينما ترى جرائم باكستان على الأرض الأفغانية ولا تنطق بكلمة حق.
ومع ذلك، فإن الأفغان—وإن كانوا “أيتامًا في السياسة”—لا يحتاجون دعم أحد لإثبات موقفهم العادل، لكن العالم على الأقل كان عليه أن يتجنب هذا العار التاريخي الذي يفضح تناقض قيمه ومبادئه.
إن إمارة أفغانستان الإسلامية، كنظام وطني، تستند إلى دعم واسع من شعبها، وعلى باكستان أن تفهم أنّ سياساتها الخاطئة لا تزيد الأفغان إلا وحدةً وتماسكًا ودعمًا لإمارتهم ضد عدو تاريخي.
أما الجماعات المقيمة في الخارج والتي تتغذى من فتات باكستان وتبرر جرائمها طمعًا في تأشيرة أو منحة، فلا يمكن اعتبارها أفغانًا، بل إنّ ادعاءهم “الأفغانية” ضرره على البلاد أكبر من نفعه.
ونسأل الله لهم الهداية في هذا الشهر المبارك.
