إذا احترق بيتي، ازدادت جدرانه متانة!

خلیل تسل

أمس، اجتمع مئات من الأهالي والعامة وشيوخ القبائل والشباب في ولاية بغلان، حيث أدانوا هجمات النظام العسكري الباكستاني على الأراضي الأفغانية، ورفعوا في الوقت نفسه صوت الدعم العميق لحرس الحدود الأفغان والعمليات الانتقامية. إنّ ما جرى في بغلان يمثل نموذجًا للوحدة الشعبية والدعم الوطني. وفي كل يوم من أيام شهر رمضان المبارك تُرفع الأيدي بالدعاء في المنابر والمساجد دعمًا لموقف الإمارة الإسلامية ومجاهديها. وهذه حادثة تاريخية لافتة، لأنّ النظام العسكري الباكستاني بدأ يلمس قوة الدعم الشعبي والجهاد العملي لشعب شجاع، ويدرك أنّ جيشًا مُرتزِقًا لا يمكنه الصمود أمام جيش إسلامي عقائدي يمتلك دعمًا شعبيًا حقيقيًا.
إنّ العمليات الانتقامية التي تنفذها الإمارة الإسلامية ضد النظام العسكري الباكستاني، أو ما يمكن تسميته «ردّ الظلم»، ما زالت مستمرة بنجاح كبير، وقد حققت إنجازات عديدة، من بينها فتح العشرات من المواقع الباكستانية ومقتل أكثر من مئة جندي مرتزق. لقد أثبت تاريخ الحروب أن الانتصارات لا تتحقق بالقوة والسلاح فقط، بل بالروح المعنوية والهدف المقدس، وانطلاقًا من هذا الأصل يُعد الدفاع عن الوطن جهادًا مقدسًا. وقد شنّ النظام العسكري الباكستاني هجماته على الأراضي الأفغانية في شهر رمضان المبارك، لكن الإمارة الإسلامية ردّت عبر قواتها البرية والجوية بردّ قاسٍ ومؤلم، وحققت انتقامًا مشرّفًا.
ربما كان النظام الباكستاني يظن أنّه سيتمكن عبر جيشه المرتزق من الوصول إلى الأهداف التي طالما حاول تحقيقها عبر التدخلات غير المشروعة والذرائع الواهية في أفغانستان، طوال تاريخ من التدخل العبثي. لكن الواقع السياسي والجغرافي اليوم قد تغيّر، فأفغانستان تمتلك نظامًا قويًا، وهناك إجماع وطني واتفاق شامل في الموقف تجاه النظام العسكري الباكستاني.
ومن جهة أخرى، لا يمتلك النظام الباكستاني أي مبرر مشروع لبدء هذه الحرب الظالمة، بل بدأها بهدف إخفاء ضعفه وأزماته الداخلية، ورمي الغبار في عيون شعبه. لكنه اليوم يواجه ضربات قاتلة جعلته في موقف الندم، لأن بدء الحرب سهل أما الانتصار فيها فصعب، والأفغان عبر التاريخ يملكون خبرة واسعة في كسب الحروب، بينما يمتلك الباكستانيون تاريخًا طويلاً ومخزيًا من الهزائم، لا حاجة للخوض فيه هنا.
وننتقل الآن إلى جانب آخر من هذه الحرب، وهو الدعم الشعبي والاتفاق العام في الرأي. فالشعب الباكستاني مغلوب على أمره، تُحكمه فئة واحدة دون غيرها، وكثير من الأحزاب السياسية والمشايخ والعلماء هناك انتقدوا مرارًا سياسة الجيش الشيطانية ولعبه لخدمة مصالح الآخرين وتدخله في أفغانستان. وقد صرّحوا واعترضوا، وعدّوا ذلك عملًا خبيثًا، لكن النظام العسكري الباكستاني لم يُصغِ لهم، بل عمد في كثير من الأحيان إلى اغتيال أو إخفاء قادة هذه الاعتراضات.
أما إذا انتقلنا إلى الجانب الأفغاني، فالصورة مختلفة تمامًا، إذ إن الإمارة الإسلامية لبّت مطلبًا شعبيًا تاريخيًا، وهو أن يواجه النظام العسكري الباكستاني لا بالدعاء والرجاء، بل بالقوة. وهنا ينطبق المثل البشتوي الشهير: «إن احترق بيتي، فقد اشتدت جدرانه!». لقد رأى النظام الباكستاني بعد هجماته الأخيرة مدى كره الأفغان له، ومدى قدرة الأفغان على الردّ والمواجهة.
ومن الواضح أنّ الأفغان داخل البلاد وخارجها اليوم موحدون دعمًا للعمليات الانتقامية التي تنفذها الإمارة الإسلامية. النساء والأمهات والشيوخ يدعون لهم في شهر رمضان المبارك. حتى كثير ممن يعيشون في الخارج ومن بقايا النظام السابق يعترفون بشجاعة الإمارة الإسلامية وبحقّانيتها، ويصرّحون صراحة في تحليلاتهم أن هذه هي المرة الأولى في تاريخ أفغانستان التي يرى فيها النظام الباكستاني «لكمةً» حقيقية ردًا على «طعنة» كان يوجهها دائمًا.
إن الروح المعنوية العالية للدعم الشعبي والوحدة الوطنية في عمليات «ردّ الظلم» ترتفع يومًا بعد يوم، والقوات المجاهدة التي يحبها الناس ويحترمونها تُستقبل دائمًا بالترحيب وتُهدى بتاجٍ من الزهور عند عودتها. وعلى النقيض، لا أحد يبكي على قتلى الميليشيات الباكستانية. أما قادة الجيش وصناع السياسة في باكستان فلا معرفة لديهم بالتاريخ، ولا يدركون دروسه، ولا يفهمون آراء العلماء والمفكرين والسياسيين في العالم. الأفغان أنهكتهم الحروب، ولا يريدونها أبدًا، وبعد أربعة عقود حان وقت تضميد الجراح تحت قيادة الإمارة الإسلامية، لكن ذلك لا يعني أنهم سيصمتون إذا تعرضوا لأي عدوان، أو أنهم عاجزون عن الدفاع.
وفي هذه الأزمة، كان للسياسة الخارجية للإمارة الإسلامية دور فعّال، وقد أوضحت البعثات السياسية في الخارج للدول المضيفة أن أفغانستان لا تريد الحرب، وإنما تتحمل مسؤولية جسيمة في الدفاع عن شعبها، ولذلك لم تغلق باب الحوار والمفاوضات يومًا، خلافًا لباكستان التي كانت دائمًا تترك طاولة المفاوضات وتبحث عن ذرائع جديدة لإخفاء أكاذيبها.
ولا شك أيضًا أن دوائر خارجية خبيثة، وبعض السياسيين الأفغان المرفوضين، وإعلامًا استخباراتيًا إقليميًا، يحاولون مجددًا زرع الفتنة بين الأفغان بإشاعة معلومات مغلوطة ودعاية مُضلّلة، أو خلق فجوة بين القوات الأفغانية والشعب، لكنهم يجب أن يدركوا أن الأمة قد استيقظت، وأنها باتت تعرف جيدًا من هم الخادمون الحقيقيون للوطن وحماته.

Exit mobile version