معركة الأنفاق؛ صمود تاريخي للمجاهدين الفلسطينيين!

حسّان مجاهد

أنفاق غزة، التي يُطلق عليها اليوم سلاحٌ استراتيجي لا يُقهَر، هي عالمٌ خفيّ تحت الأرض؛ عالمٌ تختزن في أعماقه سنواتٍ من التعب، والصبر، والجهاد الصامت للمجاهدين الفلسطينيين. فعلى الرغم من الحصار الخانق، والمراقبة المستمرة، والظروف القاسية، حفر هؤلاء الأبطال الأنفاق، ووسّعوها، ثم استخدموها في ميدان المعركة.

كان المجاهدون يظهرون فجأة من الأنفاق، يشنّون الهجمات، ويوقعون خسائر فادحة بالعدو، ويحصلون على الغنائم، ثم يختفون مرة أخرى في أعماق الأرض في لحظات. وقد تحوّل هذا التكتيك إلى لغزٍ استعصى حله على الجيش الإسرائيلي. وكما جعل رسول الله ﷺ حفر الخندق تدبيرًا بارعًا لتحقيق النصر في المعركة، كذلك أصبحت أنفاق مجاهدي غزة وسيلة جديدة، خفية، ومُذلّة لكسر شوكة المحتلّين.

معركة تحت الأرض مع الجوع ونقص الأكسجين: في هذه الأنفاق استُشهد بعض الشباب، وأُلقي القبض على آخرين من قبل الاحتلال حين خرجوا بحثًا عن الطعام والماء، ولا يزال بعضهم في عداد المفقودين. والمثير للعجب كيف يستطيع شبّان صغار أن يعيشوا أيامًا ولياليَ تحت الأرض بلا ماء ولا طعام؛ ومع ذلك يحملون القرآن الكريم، يتلون آياته، ويقفون في ظلمة الليل بين يدي ربهم، فتتعالى من أعماق الأنفاق بكاءاتٌ حارّة نابعة من القلوب.

لقد حُرموا حتى من نعمة التنفّس السهلة التي ينعم بها كل إنسان. فمع نقص الأكسجين، كانوا في كل لحظة بين الحياة والموت، غير أن نور الإيمان أضاء قلوبهم حتى بدت لهم تلك العوالم المظلمة نورًا وضياءً.

ذلك المجاهد الذي يصارع الاختناق في ظلمات الأنفاق، ويقضي ليالي الجوع القاسية، ويتحمّل مئات الليالي من الغربة، محرومًا من صوت رفاقه، جاهلًا بأحوال أهله، لا يعلم شيئًا عمّا يجري في منطقته أو في العالم من حوله؛ ومع ذلك لا يشتكي، ولا يضعف، ولا يستسلم. بل إن له فضلًا عظيمًا على الأمة كلها؛ لأنه خطّ بدمائه، وبإيمانه وصبره وثباته، صفحاتٍ ناصعة من التاريخ.

يا مجاهدي غزة الأباة!
أنتم سعداء حقًا. لقد بدأتم مواجهة أشرس أعداء العالم بأيدٍ شبه خالية. واجهتم خياناتٍ إقليمية وحصاراتٍ دولية، وتُركتم وحدكم من القريب والبعيد، لكنكم لم تنكسروا، ولم تضعفوا، ولم يسقط لواء إيمانكم.

لقد نجحتم في هذا الامتحان العسير، وأنرتم آخرتكم، وثبتم صادقين في محبة الله.
نسأل الله أن يعزّ أحياءكم، وأن يتقبّل شهداءكم، وأن يكرمهم بقربه ولقائه. آمين.

Exit mobile version