«إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا»
صدق الله العظيم.
ثمة أيام لا تمر في صفحات الزمن كأي تاريخ عابر، بل تظل محفورة في ذاكرة التاريخ كشمس لا تغيب. أيامٌ تجري في عروق ذاكرة الأمة مجرى الدم، تتناقلها الأجيال عبر الألسن، كلما ذُكرت استحضرت معها ألم الماضي، ونسمات النصر العليلة.
إن الرابع والعشرين من «أسد» هو أحد تلك الأيام؛ اليوم الذي انقشع فيه ظلام ليل طويل عن وجه الصباح، واليوم الذي تجلى فيه وجه الحرية من خلف غبار السنين، فُتحت فيه صفحة جديدة في تاريخ أفغانستان المنهك.
لكن قبل بزوغ هذا الفجر، طال ليلٌ دامس. فخلف هذا اليوم أنين أمهاتٍ لم يعد إليهن أبناؤهن، بل جاءهن نعي شهادتهم. وخلفه دموع آباء صامتين حملوا على أكتافهم نعوش شبابهم، وأعين أطفال حرموا من دفء حنان الأب، وثياب زفاف بيضاء تلونت بسواد الحزن بدلاً من بهجة العرس، وانتظار زوجات كن يرقبن باب الدار بلهفة، فجاءتهن أخبار الشهادة بدلاً من وقع خطى الأحباء.
لم تقتل الحروب الأرواح فحسب، بل هدمت سقوف البيوت، وكسرت معها آمال الكثير من العائلات. لقد جرحت المدن والقرى، ولكن الجرح الأعمق كان في قلوب البشر؛ فكم من فاقد لأبٍ شفيق، أو قطعة من قلبه (ابنه)، أو أخٍ عزيز، أو رفيق درب. لقد تشتت الناس، وتركوا ديارهم وأراضيهم وأعمالهم وطموحاتهم التعليمية التي كانت كفيلة بتغيير حياتهم. إن في كل ذرة من تراب أفغانستان، قصة لم تُروَ بعد عن تلك الحرب الطويلة.
بعض القصص دفنت في ثرى القبور، وبعضها في عيون الأمهات، وبعضها في صمت اليتامى، وبعضها بين أطلال بيوتٍ قديمة لا تزال تردد صدى خطوات من رحلوا. لكن أفغانستان كشعب تاريخي صلب، ليست بالتي تنكسر أمام عواصف الزمان؛ لقد واجهت الأعاصير، وظلت جذورها راسخة، كالجبال التي تركت عواصف الدهر تعبرها دون أن تزحزحها.
إن الأيام الصعبة في حياة المؤمن ليست خط نهاية، بل هي اختبار وتمحيص. وحين يُفتح باب النصر بعد الاختبار، فالواجب هو السجود لله لا الكبرياء، والشكر لا الغرور. ولذا، فإن 24 أسد ليس يوم فرح فحسب، بل هو يوم شكر وامتنان.
شكرٌ يرتبط بذكرى الشهداء الذين جادوا بأرواحهم في سبيل هذا النظام المقدس، لكي تنعم الأجيال القادمة بحرية العيش على أرض الوطن، وليرفرف العلم الإسلامي من جديد في سمائنا الحرة، ولكن الحرية لا تكتمل بالمهرجانات والاحتفالات فقط.
إن كنا نريد حقاً الوفاء لدماء الشهداء، فعلينا تعزيز أسس هذا النظام الإسلامي، والبدء في بناء وإعمار بلادنا، فالمعجزة الكبرى للشهيد الذي ضحى لأجل الإسلام هي بناء أفغانستان إسلامية، مقدسة، وعامرة؛ أفغانستان يفتح فيها الطفل عينيه على الأمل لا على الخوف.
فلنجعل من 24 أسد يوماً للعبرة لا للانتقام، وللإخاء لا للكراهية، ولتجديد العزم على بناء نظام إسلامي قوي في المستقبل. إن هذا اليوم يعلمنا أن النصر ليس نهاية المطاف، بل بداية لمسؤولية جديدة. رحم الله شهداءنا، وأفرغ على ذويهم صبراً جميلاً وأجراً جزيلاً.
وعلى تلك الدوائر والدول التي تسعى لزعزعة أمن أفغانستان وإشعال فتيل الحرب من جديد، أن تدرك أن هذه الأمة لم تعد ساحة لألعاب الآخرين. لقد خرجت أفغانستان من جحيم عقود من الحروب؛ فليبتعد الجميع عن إشعال الفتنة في ديارنا. إن جراح هذا الشعب لم تندمل بعد، وكل محاولة لإعادة الحرب ستواجه بدروس قاسية من التاريخ، والحق هو الغالب دائماً.
سنقف بكل قوة على ثغور أرضنا لحماية أمننا ونظامنا الإسلامي، وسنرد رداً حازماً وقوياً على كل من يحاول العبث بالاستقرار. فالأمة التي عبرت العاصفة لا تخشى هدير الرعد. لا تزيدوا من أحزان أبنائكم وعوائلكم، وارحموا أنفسكم، وعيشوا في أمن وسلام تحت ظل هذا النظام الإسلامي وهذه الرأية البيضاء.




















































