يُعدّ الشهيد البطل أحمد فريد أحرار تقبله الله نجمًا ساطعًا في سماء الشجاعة والبطولة والثبات، وصاحب إيمان راسخ، وإرادة قوية، وعزيمة عالية، ومجاهدًا صادقًا في سبيل ما يعتقده حقًا، كما عُرف بهدوئه وحسن أخلاقه. وهو أحمد فريد أحرار، نجل الشهيد محمد نائب، ومن أبناء قرية بمبائي التابعة لناحية بندچك في ولاية ميدان وردك. وُلِد بتاريخ (15/1/1377 هـ.ش) في أسرة متدينة وكريمة.
الدراسة
منذ صغره، أحب أحمد فريد أحرار العلم والتعلّم، فبدأ دراسته الابتدائية في مدرسة قريته، ثم واصل تعليمه النظامي حتى أكمل الصف الثاني عشر بنجاح. وإلى جانب دراسته، كان يحمل روحًا متحمسة لخدمة الدين والوطن والشعب، وكان ملتزمًا بطريق الحق، ويحرص دائمًا على صيانة القيم الإسلامية.
الشهيد أحرار في ميدان الجهاد
حين خيّم الاحتلال على أفغانستان، كان الشهيد أحمد فريد أحرار قد دخل مرحلة الشباب، فبدافع الإيمان والغيرة والعقيدة الإسلامية، التحق بصفوف الجهاد عام (1392 هـ.ش). وقد عُرف بين رفاقه بالتواضع، وحسن الخلق، والشجاعة، ورقة المشاعر، وكان يحتل مكانة مميزة بينهم، وتحمل بصدر رحب مشاقّ الخنادق، وبرد الليالي، وحرّ النهار.
من رواية شقيق الشهيد
لا تزال تلك الأيام حاضرة في ذاكرتي، عندما كنا نبني مجلس الضيافة في منزلنا. كنا قد جلبنا حجارة كبيرة وثقيلة للبناء، وكان كل واحد منا يعمل بما يستطيع. وكان أخي أحمد فريد يعمل معنا، وفي أثناء ذلك حمل حجرًا بالغ الثقل بكلتا يديه. ولما رأت والدتي ذلك، قالت له بقلق:
“يا بني، انتبه، فقد تؤذي نفسك.”
فأجابها بهدوء وأدب:
“يا أمي، لم أعد أخشى على نفسي، لكنني سأحتاط من أجل الجهاد، حتى لا أُحرم منه.”
لم تكن تلك الكلمات مجرد عبارات، بل كانت تعبيرًا صادقًا عما في قلبه من إخلاص وتعلق بهدفه.
ويروي شقيقه أيضًا أنه عندما كانوا يقيمون في كابل، خرج أحمد فريد ذات صباح باكر قبل شروق الشمس، وبعد دقائق قليلة دوّى انفجار هائل، فعمّ القلق أرجاء المنزل، وأخذ الجميع يتساءلون: أين أحمد فريد؟
وبعد قليل عاد مسرعًا وهو يبتسم ويضحك، وكأن شيئًا لم يحدث. فسأله أخوه عن سبب ضحكه رغم الانفجار، فأجابه مازحًا:
“لقد بعثرتُ خططهم.”
ثم رفض أن يشرح ما حدث، وقال: “ستعرف بعد قليل.”
وعندما خرج أخوه من المنزل لاحقًا، وجد المنطقة مطوقة، وكانت مركبة عسكرية قد تحولت إلى حطام. ويصفه أخوه بأنه كان رجلًا لا يفقد ابتسامته حتى في أحلك الظروف.
مواقفه في ساحات القتال
كان الشهيد دائمًا يحث رفاقه على الصبر والإخلاص والثبات، وكان حاضرًا في الصفوف الأولى، لا يعرف التراجع عند الشدائد.
ويروي أحد رفاقه أنه في إحدى الليالي تعرض هو وأحد رفاقه ويدعى شاهد لمداهمة من القوات الأمريكية، لكنهما تمكنا من الانسحاب واتخذا موقعًا قريبًا. وبعد إلحاح من الشهيد أحرار، سُمح لهما بمهاجمة القوة المهاجمة، فنفذا هجومًا عنيفًا، أعقبه قصف جوي استمر ساعات، واستشهد رفيقه شاهد أثناء المعركة.
ورغم استحالة وصول الإمدادات بسبب الطائرات المسيّرة والمقاتلات، حمل أحمد فريد جثمان رفيقه الشهيد على كتفه وأخرجه من ساحة القتال بنفسه، في موقف جسّد الوفاء والإخلاص.
موقف آخر
يروي أحد رفاقه أنه عام (1398 هـ.ش)، كانت بعض المواقع العسكرية في قرية بمبائي تعيش حصارًا شديدًا، وكانت المواد الغذائية تُنقل إليها عبر سيارات مدنية. وعندما علم الشهيد بذلك، خرج مع عدد من رفاقه، وأوقفوا إحدى السيارات التي كانت تنقل الإمدادات، لكنهم تعرضوا لكمين عنيف. وبعد اشتباك طويل، تمكنوا من الانسحاب سالمين.
وفاؤه لرفاقه
في عام (1395 هـ.ش)، اشترى أحمد فريد دراجة نارية جديدة، ثم أرسلها إلى رفاقه في ننغرهار ليستفيدوا منها. وبعد ثلاثة أشهر جلس في منزله باكيًا، فسأله أخوه عن سبب بكائه، فقال:
“إن الرفيق الذي أرسلت إليه الدراجة كان يستقلها عندما استهدفته طائرة مسيّرة، فاستشهد.”
وكانت دموعه حزنًا على رفيقه الذي فقده، لا على الدراجة.
بعد استشهاد والده
في عام (1395 هـ.ش)، استشهد والده في قرية شيرازي التابعة لولاية وردك، فوجد نفسه أمام مسؤوليات كبيرة؛ إذ أصبح مسؤولًا عن إعالة أسرته، وفي الوقت نفسه كان يتحمل مسؤولياته في العمل الجهادي داخل كابل.
ورغم كثرة الابتلاءات، لم تضعف عزيمته، بل واصل القيام بواجباته الأسرية وما كان يراه واجبًا في ميدان الجهاد بإخلاص وثبات.
الالتحاق بالمعسكر
ومع اشتداد الملاحقة الأمنية، لم يعد يستطيع البقاء في كابل، فقرر عام (1396 هـ.ش) الالتحاق بالمعسكر تحت إشراف الأستاذ علي أنس.
ويقول أحد رفاقه إنهم انتقلوا بعد ذلك إلى غزني، وهناك أظهر أحمد فريد شجاعة وثباتًا كبيرين، حتى إنه أُصيب إصابة بالغة، لكنه عاد مع رفاقه إلى المعسكر بعد رحلة شاقة.
المشاركة في القتال ضد تنظيم داعش
في عام (1398 هـ.ش)، عندما تحركت تشكيلات ولاية وردك نحو ننغرهار لمواجهة عناصر تنظيم داعش، قرر الشهيد أحمد فريد أحرار، وكان متخصصًا في استخدام أجهزة الليزر، الالتحاق بهذه المهمة.
وقبل مغادرته، أوصى أسرته بإكمال بناء مجلس الضيافة، ثم قال لأخيه:
“لا تخبروا أحدًا، وخاصة أمي، أنني ذاهب إلى ننغرهار، فأنا أشعر أنني سأستشهد هناك.”
وبعد أسبوع ونصف اتصل بوالدته، واطمأن على الأسرة، وطلب منها الصبر، وكان ذلك آخر اتصال له مع أهله.
قصة استشهاده
يروي أحد رفاقه أنه عندما وصلوا إلى منطقة زاوه في خوغياني، قضوا الليل في أحد المساجد. وفي صباح اليوم التالي، كان أحمد فريد في غاية السرور، وقال لرفاقه:
“اليوم سأُستشهد.”
ثم كتب أسماء جميع رفاقه على جدار المسجد بخطه الجميل، وقال:
“سيُمحى اسم واحد من هذه الأسماء، وسيكون صاحبه الشهيد.”
ثم أكد مرة أخرى:
“أنا الذي سأُستشهد، إن شاء الله.”
وبعد بدء عملية تمشيط المنازل، انقسموا إلى مجموعتين. وبعد الانتهاء من أحد المنازل، أصر أحمد فريد على دخول منزل آخر بمفرده، رغم تحذير رفيقه.
اقتحم المنزل، وكسر الباب، وبدأ بإطلاق النار وهو يردد بصوت عالٍ: “الله أكبر”. وعندما حاول رفيقه اللحاق به، أصيب أحمد فريد، وبينما كان يسقط، هتف مرة أخرى: “الله أكبر”، ثم ارتقى شهيدًا.
وهكذا تحقق الحلم الذي طالما دعا الله أن يبلغه إياه.
تشييع جثمانه
بعد ثلاثة عشر يومًا من استشهاده، نُقل جثمانه إلى مسقط رأسه، وكان يبدو كأنه نائم. واستقبله أهله وأقاربه وأبناء قريته بعيون دامعة، ثم ووري الثرى في مقبرة أسرته.
تاريخ الاستشهاد
نال الشهيد أحمد فريد أحرار أمنيته، واستشهد بتاريخ 1/7/1398 هـ.ش، وانتقل إلى جوار ربه، وبقي اسمه وتضحياته وذكراه خالدة في قلوب الناس.
نسأل الله جل جلاله أن يتقبل شهادته، وأن يرفع درجاته في عليين، إنه سميع مجيب.


















































