الحرية من تلك التصورات العظيمة والغالية في حياة الإنسان التي حفّزت أفكار الأمم في مختلف أدوار التاريخ، وأنجبت الثورات، وشكّلت الفلسفات، وألهمت الأجيال أن تقدم التضحيات في سبيلها. غير أنّ الحرية ليست مجرد مصطلح سياسي، بل هي قضية فلسفية وإنسانية عميقة ترتبط بشخصية الإنسان ووجدانه وكرامته وإرادته ومسؤوليته.
ومن منظور إسلامي، ليست الحرية إذناً مطلقاً بفعل أي شيء، بل هي حق الإنسان في أن يعيش حياة كريمة في إطار الحق. وبما أنّ الحرية جزء من كرامة الإنسان، فإنّ مفهوم الحرية في الإسلام ينطلق من مكانة الإنسان نفسه ومقامه. قال تعالى في القرآن الكريم: {ولقد كرّمنا بني آدم}.
تقدّم هذه الآية مبدأً أساسياً في الكرامة الإنسانية؛ فالإنسان ليس مجرد رقم في نظام اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، بل هو مخلوق مكرَّم، ولذلك لا يقبل الإسلام إذلال الإنسان، ولا الظلم، ولا الاستبداد، ولا السيطرة بغير حق، ومن ثمّ فإنّ كرامة الإنسان تقتضي أن يملك إرادته واختياره في شؤونه المشروعة، حتى لا يكون عرضةً للظلم.
وفي هذا السياق يقدّم التصور الإسلامي للحرية مفهوماً شاملاً وعميقاً وفريداً في زمانه. غير أنّ هذه المكانة الرفيعة للحرية تتعرض للخطر عندما تعتدي القوى الكافرة على أرض المسلمين وتتجاوز على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم. وفي هذه الحال، يصبح التخلّص من هذا الاحتلال والسيطرة فريضةً شرعية.
وأولئك الذين يبذلون التضحيات في هذا الطريق، تخلّدهم التاريخ دائماً باسم المجاهدين والشهداء وأبطال الحرية. فالتحرّر من القوى المحتلة لا يتحقق إلا بالجهاد؛ والجهاد عمود الدين وطريق العزّة والرفعة. وإنّ أعظم النضالات وأقدسها في تاريخ البشرية هو ما يُبذل في سبيل حماية أرض أمة وعزّتها ودينها وهويتها. فالتخلّص من القوى المحتلة ليس مجرد هدف سياسي، بل هو من أعمق ضرورات الفطرة الإنسانية.
وعلى هذا الأساس، تُعدّ الحرية رمز عزّة الأمة وأعظم إرث للأجيال القادمة، فالأمم قد تفقد ثرواتها ويضعف اقتصادها ثم تعيد بناءه بسنين من الكدح والعمل؛ لكن الأمة التي تفقد حريتها تفقد جزءاً كبيراً من هويتها وقوة إرادتها وسيطرتها على مستقبلها.
إنّ الحرية نعمة لا يدرك قيمتها الحقيقية حق الإدراك إلا أولئك الذين ذاقوا مرارة الاحتلال والاستبداد. ولهذا فإنّ الإنسان الحر ليس مجرد من يعيش على أرض حرة، بل هو من يحمي فكره وضميره وقوة إرادته وكرامته الإنسانية.
وكذلك فتح الإسلام باب العلم بكلمة (اقرأ)، ووجّه الإنسان نحو العلم والتفكّر والمسؤولية. فالأمة التي تملك العلم وتعرف تاريخها وتفكر في مستقبلها، تملك قدرة أكبر على الحفاظ على حريتها. وثمة ارتباط وثيق بين الحرية والعلم؛ فمن الصعب على أمة جاهلة أن تحافظ على حريتها، لأنّ حماية الحرية لا تقوم على العواطف وحدها، بل تحتاج إلى العلم والخبرة واقتصاد قوي وقانون ووعي إسلامي ووطني راسخ، وكذلك فإنّ الاستقلال الاقتصادي يعدّ من أهم دعائم الحرية.
فالأمة التي لا تملك القدرة على تأمين اقتصادها وإنتاجها وعلمها وصناعتها وحاجاتها الأساسية، قد تواجه صعوبات دائمة أمام النفوذ الخارجي، ولذلك فإنّ الاستقرار الاقتصادي والعلمي والاجتماعي ضروري إلى جانب السيادة السياسية. والأمة التي تدرك قيمة حريتها تبقى دائماً يقظةً متنبّهةً لحماية عزّتها وهويتها وسيادتها وقيمها الوطنية ومستقبلها؛ لأنّ الحرية لا تكتمل بمجرد تحقيقها، بل يحتاج الحفاظ عليها إلى تضحية وبصيرة وحكمة ومسؤولية.
وتكتمل دلالة الحرية بالنسبة إلى الأمة المسلمة عندما تتسع لتشمل احترام القيم الدينية وحماية الشعائر الإسلامية. فإذا نسيت أمةٌ قيمة حريتها وأهميتها، بدأت تسير وفق رغبات الآخرين ومصالحهم؛ أما إذا كانت الأمة متحدةً وواعيةً وعزيزةً ثابتةً على صون هويتها الوطنية، فلن تستطيع أي قوة أن تزيحها بسهولة عن طريق السيادة.
وكذلك فإنّ الجيل الذي يعرف قيمة تاريخه ودينه وهويته وحريته، لن يبيع مستقبله أبداً بثمن بخس. فلنحترم تضحياتنا الماضية، ولنحافظ على قيم وطننا، ولنتمسك بحبل الاتحاد بقوة، ولنصُن الحرية للأجيال القادمة بعزّة ووعي ومسؤولية.



















































