وهم الخلافة؛ من حلم السلطة إلى حضيض الانهيار! الجزء الثالث عشر

عزيز جلال

المقاومة الشعبية
في مواجهة جماعات متطرفة مثل تنظيم داعش، أدّت المقاومة الشعبية والقوى المحلية دورًا محوريًا كثيرًا ما جرى تجاهله. فقد انبثقت هذه المقاومة الطبيعية من داخل المجتمعات التي عانت من ظلم داعش وقمعه، واتخذت أشكالًا متعددة؛ فظهرت أحيانًا في صورة كفاح مسلح، وأحيانًا أخرى في هيئة عصيان مدني.

في العراق، سرعان ما اكتشفت القبائل السنية التي خُدعت في البداية بشعارات داعش عن العدل والمساواة، الحقيقة المرّة لحكمه الوحشي والظالم. وكانت قبائل محافظة الأنبار في غرب العراق من أوائل الوحدات الاجتماعية التي بادرت إلى تمرد منظم ضد خوارج داعش، وهذه القبائل، التي كانت تشكو سابقًا من الحكومة المركزية، خلصت إلى أن حكم داعش أسوأ بكثير من كل الأنظمة التي خبرتها من قبل.
وبفضل معرفتها العميقة بالبنية الاجتماعية لمناطقها، تحولت هذه القبائل إلى قوى محلية فعّالة في مواجهة داعش. فلم تشارك في العمليات العسكرية فحسب، بل أنشأت أيضًا شبكات استخباراتية واسعة، راقبت تحركات مقاتلي التنظيم، ونقلت هذه المعلومات إلى قوات الأمن العراقية وإلى التحالف الدولي.

أما في سوريا، فقد اتخذت المقاومة الشعبية مسارًا مختلفًا. ففي مدن مثل دير الزور التي بقيت أشهرًا تحت حصار داعش، واصل المدنيون مقاومتهم بوسائل مبتكرة. قام الأطباء والممرضون بمعالجة الجرحى سرًّا، وواصل المعلمون تعليم الأطفال في الأقبية، كما تولّى بعض التجار إيصال الغذاء والمواد الأساسية إلى المناطق المحاصرة عبر طرق خفية.

وفي الموصل، أدّت النساء دورًا فريدًا لا يُنسى خلال المقاومة الشعبية. فقد أنشأت كثيرات منهن شبكات اتصال سرية، ونقلن معلومات بالغة الأهمية عن تحصينات داعش إلى القوات العراقية. كما عملت أخريات على حماية أزواجهن من الوقوع في قبضة التنظيم، أو ساهمن في توفير الغذاء والدواء للعائلات المحاصرة، ورغم أن هذه المقاومة الصامتة والعميقة لم تحظَ بتغطية إعلامية واسعة، فإنها تركت أثرًا نفسيًا بالغًا في نفوس المتطرفين الدواعش.

ومن أبرز صور المقاومة الشعبية أيضًا الحركات المدنية التي نشأت في بعض المناطق الخاضعة لسيطرة داعش. ففي المدن المحتلة، واجه الشباب التنظيم بوسائل غير مسلحة؛ فكتبوا شعارات مناهضة له على الجدران، ونشروا رسائل التمرد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وألحقوا أحيانًا أضرارًا بممتلكاته.

وفي الرقة، شرعت مجموعة من النشطاء السريين في توثيق جرائم داعش وإيصال هذه الأدلة إلى وسائل الإعلام العالمية. ورغم أن هذه الخطوات بدت صغيرة في ظاهرها، فإن آثارها النفسية كانت عميقة؛ إذ كشفت للعالم حقيقة أن سكان المناطق الخاضعة لسيطرة داعش لم يكونوا، رغم حملته الدعائية المكثفة، مؤيدين له.

وفي المحصلة، برزت المقاومة الشعبية بوصفها أحد الأسباب الجوهرية لسقوط داعش. فحين بدأ التحالف الدولي والقوات الحكومية في العراق وسوريا عملياتهم العسكرية، كانت هذه الشبكات الشعبية هي التي قدّمت معلومات حاسمة، وأسهمت في تحرير المدن، وأرست أسس التعافي الاجتماعي بعد زوال التنظيم. وتؤكد هذه التجربة حقيقة مفادها أن المجتمعات المحلية، حتى في أقسى الظروف، قادرة على الصمود في وجه التطرف وتغيير مسار مستقبلها.

Exit mobile version