منذ عقود، تسعى الدول الكبرى والمتقدمة إلى تحقيق مصالحها الخارجية عبر بسط نفوذها على الدول الضعيفة والسيطرة على مواردها الطبيعية وبنيتها السياسية. ويعد الاحتلال الأبيض، أو الهيمنة البيضاء، الذي تمارسه اليوم بعض الدول القوية والثرية اقتصاديا في الشرق الأوسط وعلى أجزاء من الأراضي العربية، شكلا من أشكال السيطرة التي تتحقق غالبا من دون حروب أو مواجهات عسكرية مباشرة، إلا أنه أشد خطرا من الاحتلال الأسود الدموي؛ لأنه يستهدف الاستيلاء على سياسة الدولة، ومواردها الطبيعية، وعقيدتها، وقوانينها، والروح المعنوية لشعبها.
أما الاحتلال الأسود، فإنه يحتل عقيدة الشعب وأرضه وسيادته السياسية، ويغرس في وعي الناس صورة المحتل بوصفه قوة جائرة وظالمة. أما الاحتلال الأبيض، الذي يهيمن اليوم على معظم بلدان الجزيرة العربية، فقد انتزع منها، تحت شعاري التنمية والدفاع، سلطتها على القانون، والاقتصاد، والموارد الطبيعية، والسياسة، وحتى نفوذها الثقافي وما يرتبط بالخدمات والتسهيلات العامة.
وكما انشغلت الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل والصين بالنفط العربي والموارد المعدنية الأخرى في الشرق الأوسط، فقد استمدت أسس قوتها ونفوذها وتقدمها من هذه الثروات، وعلى ما كانت تجنيه، تحت عنوان الدفاع، من أموال ومكاسب مرتبطة بالدول العربية. وكان التغيير الذي شهدته سوريا في بنية السلطة والنظام من العوامل التي أضعفت محاولات إيران توسيع نفوذها وترسيخه في سوريا وفي عدد من الدول العربية المجاورة، وأعاقتها. ومن ثم، أدى التقدم المشترك لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مناطق النفوذ الإيرانية السابقة والسيطرة عليها إلى اندلاع مواجهة دامية وشديدة بين إيران وإسرائيل.
ومضى عام على استمرار الحرب، فيما تتهاوى المدن، ويقتل الناس بوحشية. ولا يبدي أي من طرفي الصراع استعدادا للتراجع، كما باتت الأهداف الخفية أكثر وضوحا. وهو تخلي الولايات المتحدة عن هيمنتها وسيطرتها على الموارد الطبيعية والنفطية في البلاد العربية، وأن تؤول تلك السيطرة إلى إيران.
إن الحرب بين إيران والولايات المتحدة لا تقتصر آثارها السلبية على حلفاء الطرفين فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، وأسواق الغذاء، وأسواق السلع الأساسية. وقد شهد العالم هذه التداعيات بوضوح؛ إذ تراجعت المساعدات الاقتصادية، واضطربت حركة التجارة والأسواق، كما تعرضت أسواق المواد الغذائية والسلع الضرورية، فضلا عن الموارد الطبيعية، ولا سيما النفط، لحالة من الاضطراب والنقص. وفي أفغانستان، تأثرت أيضا عمليات نقل النفط والسلع الأساسية والتبادل التجاري عبر الطرق البرية القادمة من دول المنطقة، مما أدى إلى تعثرها. وبذلك، فإن حالة الصراع بين هذين الطرفين أفرزت آثارا وأضرارا تجاوزت نطاقهما، وامتدت إلى المستوى العالمي.
لقد حملت هذه الحرب، قبل غيرها، رسالة قاسية إلى الدول العربية، مفادها أن الاعتماد على الآخرين لعقود طويلة، وإهمال بناء القوة الذاتية، وتسخير الثروات الطبيعية والأراضي لخدمة مصالح القوى الأجنبية، من شأنه أن يفضي إلى تراجع مكانتها وقيمتها على الساحة الدولية حتى تكاد تبلغ الصفر. أما في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فقد مثل موقف إيران وتبنيها الدفاع عن فلسطين، من وجهة النظر هذه، جانبا إيجابيا آخر في حربها، إذ حمل إلى الأمة رسالة تحد وتضامن وإخاء، وأحيا فيها روح النصرة والوحدة.



















































