كيف جعل تنظيم داعش من “التوحيد” وسيلة للتكفير؟
يعتمد تنظيم داعش على منظومة فكرية منحرفة لتبرير جرائمه وأعمال العنف واسعة النطاق التي يمارسها ضد المسلمين وغير المسلمين، حيث تعرضت مفاهيم الإسلام المقدسة لتأويلات متطرفة ومحرفة. ومن أهم هذه المفاهيم التي اتخذها داعش ذريعة للعنف والتكفير هو مفهوم “التوحيد”؛ أي وحدانية الله تعالى.
لقد حصر هذا التنظيم التوحيد في نطاق “الحاكمية” الخاص به، مقدماً تفسيراً أحادياً ومتطرفاً له. وبناءً على ذلك، تبنوا عقيدة مفادها أن كل نظام سياسي وقانوني يختلف عن نظامهم هو “طاغوت”، وتجب تكفير حكامه وأتباعه.
في نظر داعش، التوحيد مقصور على “توحيد الحاكمية”. واستناداً إلى هذا التأويل، فإن أي حاكمية في المجتمع، أو اتخاذ قرارات، أو إدارة للأمور لا تستند إلى حكمهم الذاتي المزعوم، تُعتبر شركاً وكفراً. ومن يعيش في ظل تلك الأنظمة أو يدعمها يُوصم بالشرك والكفر. في الواقع، يعتبر داعش جميع الأنظمة الإسلامية التي لا تتبع “خلافته” المزعومة أنظمة مشركة ومرتدة.
ادعى تنظيم داعش في مجلته “دابق” أن من يحكم بغير ما أنزل الله، سواء كان حاكماً أو محكوماً، فهو كافر. ورغم أن هذا الادعاء يبدو في ظاهره مستنبطاً من آيات القرآن الكريم، إلا أن داعش استخدمت تفسيراً سطحيًا ومحرفاً لهذه الآيات، متجاهلة المعاني التي شرحها وفصلها كبار علماء الدين والمجتهدين عبر القرون، وقدمت تصوراً للحاكمية لا يُثمر سوى القتل والوحشية والجرائم.
الفارق الأبرز بين داعش والحركات الإسلامية الأخرى يكمن في الاتساع غير المسبوق لعمليات التكفير المستندة إلى هذا التفسير للتوحيد. ففي الحقيقة، يعتبر داعش ما يقارب المليار ونصف المليار مسلم مرتدين. بالنسبة لهم، خرج جميع مسلمي العالم تقريباً عن دائرة الإسلام لأنهم لا يسلمون بتفسير داعش للتوحيد والحاكمية. إنهم يكفرون الشيعة ويصفونهم بالروافض، ويعتبرون الصوفية مشركين وقبوريين، بل ويكفرون حتى أهل السنة الذين لا يشاركونهم أفكارهم. هذه الشمولية في التكفير لا سابقة لها لا في تاريخ الخوارج فحسب، بل في تاريخ أي جماعة تكفيرية أخرى.
على النقيض من ذلك، ميز علماء أهل السنة دائماً بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي. ويؤكد الإمام ابن تيمية بوضوح في “مجموع الفتاوى” أن الشخص إذا ارتكب معصية أو طبق قانوناً غير شرعي، فإنه لا يخرج من دائرة الإسلام ما لم يعتقد أن ذلك القانون أفضل من شريعة الله ويؤمن به بقلبه، بمعنى آخر، الكفر العملي وحده، دون اعتقاد قلبي، لا يستوجب الخروج من الإسلام. لكن الخوارج، ومن بعدهم داعش، تجاهلوا هذا الفرق الجوهري وكفروا المسلمين لأتفه الأسباب.
التوحيد الحقيقي في الإسلام هو مجموع عقائد وأعمال القلب واللسان والجوارح، بما في ذلك محبة الله وعبادته واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم. لذا، لا يمكن حصر التوحيد في مسألة الحاكمية السياسية فقط، وعندما حولت داعش هذا المفهوم العظيم والمقدس إلى أداة سياسية، لم تحرم نفسها من عمق المعارف الإسلامية فحسب، بل ألحقت أكبر ضرر بكيان الأمة الإسلامية.
إن التفسير المتطرف الذي تتبناه داعش للتوحيد، بحصره في “الحاكمية” ووسم أي نظام سياسي آخر بـ “الطاغوت”، لا يتصادم فقط مع أصول الفقه وعلم الكلام عند أهل السنة، بل شوه صورة الإسلام بشكل فادح على المستوى العالمي.
مما يلفت الانتباه أن كتاب “جيش الشيطان” يشير إلى هذا التناقض الواضح عند الحديث عن وجود ضباط سابقين من حزب البعث في هيكلية داعش. هؤلاء الذين خدموا لسنوات في أنظمة علمانية، يكفرون اليوم الآخرين لمجرد أنهم يعيشون في “نظم طاغوتية”. وهذا يوضح أن مفهوم “توحيد الحاكمية” كان عملياً في أيدي قادة داعش وعناصرها أداة سياسية أكثر منه قاعدة دينية راسخة.



















































