محمد ﷺ خاض معركة الحياة القويمة في مواجهة الجهل والضلالة.
الحقيقة أن منطقة العرب كانت ذات طبيعة قاسية جداً. ففي الديانات السابقة التي كانت لها صلة بالتحضّر والتقدّم، لم ينجح أيّ دين في النفوذ إلى تلك المنطقة. كانت كل قبيلة تهاجم الأخرى من أجل الاستيلاء على الأموال وتخوض معها الحروب. وكانت البنات يُقتلن في سنّ الطفولة دون شفقة أو رحمة، وكانت المرأة تُعامل معاملة الإماء والعبيد.
كان هذا حالهم، لكن الإسلام شيءٌ آخر تماماً! وإذا كنا نعجب من شمولية نظرة رسول الله ﷺ إلى الرحمة والرفق، فإن هذا العجب يتضاعف عندما نطّلع على البيئة المعاصرة له ﷺ، ونرى كيف كان يُنظر آنذاك إلى هذه الأخلاق، وعلى رأسها خُلُق الرحمة.
جاء في حديث رواه مسلم رحمه الله في صحيحه عن عياض بن حمار رضي الله عنه، يبيّن فيه حال الأرض قبل بعثة رسول الله ﷺ، حيث قال النبي ﷺ:
«إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقْتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجْمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ»
لقد وصل الناس إلى حالة من الانحطاط والفساد جعلتهم يستجلبون مقت الله تعالى. ونذكر هنا بعض الأمثلة على ذلك:
أولاً: وضع الدولة الرومانية
لقد مزّقت الخلافات العقدية بين الطوائف النصرانية المختلفة كيان تلك الدولة. فمن جهة كان هناك المذهب الأرثوذكسي والكنيسة الشرقية، ومن جهة أخرى المذهب الكاثوليكي والكنيسة الغربية. وبسبب اشتداد هذه الخلافات اندلعت حروب مدمّرة قُتل فيها عشرات الآلاف من الناس.
وحتى داخل الدولة الرومانية الأرثوذكسية نفسها، نشبت خلافات شديدة ومدمّرة بين طائفة الملكانيين، الذين كانوا يعتقدون بازدواج طبيعة المسيح، وطائفة المونوفيزيين، وهم سكان مصر والحبشة، الذين كانوا يعتقدون بطبيعة إلهية واحدة للمسيح. وكانت الطائفة الملكانية تُنزل بالطائفة الأخرى عقوبات قاسية ومؤلمة؛ فتارة يحرقونهم، وتارة يُغرقونهم في الماء، مع أن الجميع كانوا أتباع دين واحد، وهو الأرثوذكسية.
واستمرت هذه الخلافات العقدية إلى أن وصلت الفتوحات الإسلامية إلى مصر، فأنقذت الأقباط (المصريين) من ظلم الدولة الرومانية وعقوباتها. كما أن حياة الروم أنفسهم داخل الدولة لم تكن أقل قسوة، إذ فرضت الدولة الرومانية ضرائب باهظة على جميع من كانوا يعيشون تحت سلطانها، وكانت أشدّ هذه الضرائب تُفرض على الفقراء لا على الأغنياء.
وكان المجتمع الروماني منقسماً إلى طبقتين: الأحرار (وهم السادة والأشراف)، والعبيد. وكان عدد العبيد ثلاثة أضعاف عدد الأشراف، ولم يكونوا يتمتعون بأي حقوق، بل كان مصيرهم بيد سادتهم. ولم يكن لهم أي اعتبار في المجتمع، حتى إن أفلاطون نفسه، صاحب فكرة «المدينة الفاضلة»، كان يرى أن العبيد لا يستحقون حق السكن.
ولم تقتصر المعاناة على العبيد والفقراء فقط، بل كان حال النساء أسوأ من ذلك. فقد عُقد في روما مؤتمر كبير ناقش شؤون حياة المرأة، وبعد عدة جلسات قرّر المؤتمر أن المرأة كائن بلا نفس، ولذلك لا حياة أخروية لها، ولا ترث، وهي نجسة، ولا يجوز لها أكل اللحم ولا الضحك. كما مُنعت من الكلام، حتى إنهم كانوا يضعون أقفالاً حديدية على أفواهها. وكانت نساء الطبقة الراقية والطبقة الدنيا يعشن في الشوارع أو البيوت وأفواههن مقفلة بالأقفال الحديدية.
