الاعتدال في التعامل مع الدنيا والآخرة
لا ينبغي لنا أن نغفل عن أن من أهم الجوانب الأساسية للاعتدال أن يحافظ كل مسلم على التوازن بين الاهتمام بالدنيا والاستعداد للآخرة. فالإسلام لا يذم الدنيا على نحو يدفع الإنسان إلى التخلي عن العمل والسعي والتقدم والعمران والانتفاع بنعم الله تعالى الحلال، كما أنه لا يمنحها من الأهمية والقيمة ما يؤدي بالإنسان إلى نسيان الآخرة والحياة الأبدية، وحصر اهتمامه وسعيه في شؤون الدنيا وحدها، بحيث تصرفه محبتها عن ذكر الله تعالى وعبادته. بل يحث الإسلام الإنسان على الانتفاع بالدنيا بصورة مشروعة، مع الاستعداد للآخرة.
يقول الله تعالى: وابتغ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا
هذا الآية العظيمة الشأن تعد من أوضح صور الاعتدال والوسطية في الإسلام.
كما يبين الله تعالى في آية أخرى من كتابه الكريم أن المسلم مسؤول عن السعي من أجل آخرته، لكنه في الوقت نفسه ينبغي ألا يغفل عن نعم الدنيا الحلال، والعمل والكسب المشروع، وتكوين الأسرة، والتعليم، والعمران، وخدمة المجتمع، وسائر متطلبات الحياة.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام خير مثال على هذا الاعتدال؛ فقد كانوا في مقدمة الناس في العبادة والذكر والتقوى، وفي الوقت نفسه أسهموا في التجارة والزراعة والجهاد والتعليم وعمارة المجتمع. وقد أثبتوا أن التدين الحقيقي لا يعني ترك الدنيا، بل يعني الانتفاع بها على الوجه الصحيح والمشروع، ابتغاء مرضاة الله تعالى.
لا يقر الإسلام الرهبانية ولا ذلك التفرغ المفرط الذي يصرف الإنسان عن مسؤولياته الاجتماعية والأسرية، بل ينهى عنه. كما أن الإسلام يرفض التعلق بالدنيا والانغماس في ملذاتها المادية. وينبغي للمسلم أن ينظر إلى الدنيا بوصفها وسيلة لتحقيق غاياته الأخروية السامية، لا أن يجعلها الغاية النهائية والمقصد الأساسي للحياة.
حين تكون الدنيا في يد الإنسان لا في قلبه، فإنها تكون نعمة ووسيلة للخير؛ أما إذا استولت محبة الدنيا على قلب الإنسان وصرفته عن ذكر الله تعالى وأداء مسؤولياته الدينية، فإنها تتحول حينئذ إلى عامل من عوامل الضرر والغفلة. ولذلك، يقتضي الاعتدال الإسلامي من المسلم أن يحافظ على التوازن بين الدنيا والآخرة، بحيث يسهم في عمارة الدنيا، وينتفع بنعمها الحلال، ويؤدي حقوق أسرته ومجتمعه، وفي الوقت نفسه يجعل غايته الأساسية نيل رضا الله تعالى والفوز في الآخرة. وتلك هي الوسطية التي أرساها الإسلام لسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.




















































