في يوم الاثنين، العاشر من أكتوبر، أعلن الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري إنهاء الحكومة المدنية في إقليم خيبر بختونخوا وفرض حكم الحاكم. وعقب هذا الإعلان بلحظات وجيزة، قدم حاكم الإقليم، فيصل كريم كندي، في خطابه للشعب المسوغات والدوافع لدعم هذا القرار وتبريره. ووصف كندي فرض حكم الحاكم بالخطوة الحتمية، موضحاً أن تصاعد العمليات الإرهابية، وتدهور الأوضاع الأمنية والنظام العام، فضلاً عن عدم كفاءة الحكومة الإقليمية، تشكّل الأسباب الجوهرية وراء اتخاذ هذا القرار.
كما أكد في سياق خطابه أن السياسة العامة للإقليم ستُرسَم من الآن فصاعداً في إسلام آباد بدلاً من كابل وجلال آباد، وأن البلاد بأسرها ستُدار وفق استراتيجية موحدة. غير أن خبراء الشؤون السياسية والإدارية، وبدلا من تقييم دقة هذه الاتهامات ومدى مطابقتها للواقع، سلطوا الضوء على تناقض جوهري شَابَ تصريحات الحاكم؛ حيث أثاروا تساؤلاً مفاده: إذا كانت السياسات العامة للدولة تصاغ على المستوى الاتحادي (الفيدرالي)، والسلطة الأصلية لرسم التوجهات تقع في يد الحكومة الاتحادية بغض النظر عن الحزب السياسي المهيمن على دفة الحكم في هذا الإقليم أو ذاك، فكيف يتأتى لإقليم ما أن ينتهج سياسة منفردة ومستقلة، في حين تسير بقية أرجاء البلاد في مسار مغاير تماما؟
وفي نهاية المطاف، على أي أساس يُعزى رسم سياسة إقليم إلى كابل وقندهار في دولة تُدار أقاليمها كافة تحت مظلة نظام اتحادي (فيدرالي) موحد؟
وعندما أخضع خبراء الشؤون القانونية والسياسية هذه المسألة لفحص دقيق وبأقصى درجات الفطنة، تفرعت عنها جملة من التساؤلات الجوهرية الأخرى؛ سواء فرض حكم الحاكم أو إعلان حالة الطوارئ، فالدستور الباكستاني يقرر كلا الإجرائين، إلا أن إنفاذهما على أرض الواقع يستلزم بالضرورة استيفاء شروط دستورية أساسية، يبدو أنها غائبة تماماً في ظل الظروف الراهنة.
مولانا فضل الرحمن، الذي يُعدّ من أبرز الشخصيات السياسية في باكستان، والذي اضطلع أيضا بدور الوسيط في هذا الوضع المتأزم والمثير للقلق، وصف في مؤتمر صحفي طارئ هذا الإجراء بأنه مخالف للدستور والأعراف المتعارف عليها، ولم يكتف بذلك، بل وجّه الاتهام مباشرة إلى الحكومة والأوساط الحاكمة. واتهم النخبة الحاكمة صراحة بنقض العهود والخيانة والتراجع عن الوعود التي قطعتها، مؤكدا بعبارات واضحة أن هناك تناقضا جليا بين أقوال الحكومة وأفعالها؛ فهي تقول شيئا، وتفعل على أرض الواقع شيئا آخر.
وفي هذا السياق، تكشّفت حقيقة صادمة أخرى مفادها أن الحكومة لم تكن تملك سلطة القرار الحقيقية في هذه المسألة، بل إن الأوامر كانت تصدر مباشرة عن تلك الدوائر التي دأبت دائما على ادعاء النأي بنفسها عن السياسة، ولا تمل من التأكيد على عدم صلتها بالشؤون السياسية. وبذلك، فبينما كانت تتردد من جهة ادعاءات عدم التدخل في المفاصل السياسية، كانت تترسخ من جهة أخرى القناعة يوما بعد يوم بأن مقاليد هذه الشؤون السياسية تقع خلف الستار في قبضة تلك القوى ذاتها.
رفض مولانا فضل الرحمن في تصريحاته رفضا قاطعا جميع المبررات التي قدمتها الحكومة لتسويغ هذا الإجراء. وأوضح أنه إذا كان الأساس لفرض حكم الحاكم هو تصاعد الحوادث الإرهابية وتدهور الوضع الأمني، فإن إقليم بلوشستان، وفقا لهذا المعيار نفسه، أولى بهذا الإجراء من إقليم خيبر بختونخوا؛ إذ إن مشكلات انعدام الأمن والإرهاب هناك أشد خطورة وأكثر تفاقما. أما إذا كان عجز حكومة الإقليم هو الأساس الذي استند إليه هذا القرار، فإن المبررات الداعية إلى فرض حكم الحاكم في بلوشستان أقوى أيضا منها في خيبر بختونخوا.
غير أن موقف مولانا فضل الرحمن كشف بوضوح أن الأسباب التي تسوقها الحكومة ليست سوى ذرائع ظاهرية، في حين أن الأهداف الكامنة وراءها مختلفة. ويرى مولانا أن هذه التبريرات المطروحة تحت مسميات الإرهاب وانعدام الأمن والعجز الإداري، إنما تُقدَّم في حقيقتها لامتصاص الغضب الشعبي، واحتواء السخط المتصاعد بين الناس، والتستر على الأهداف الحقيقية.
لقد زادت تصريحات مولانا فضل الرحمن من حساسية القضية وجديتها، وأثارت العديد من التساؤلات الجديدة بشأن موقف الحكومة. وازداد الوضع تعقيدا وإثارة للقلق لأن مولانا كان على دراية تامة بخلفيات هذه القضية ودوافعها وحقائقها الخفية. فلم يقتصر دوره على الوساطة بين الطرفين، بل استمع خلال المفاوضات إلى مواقف الجانبين بالتفصيل، وطرح حلا عمليا قابلا للتنفيذ لتسوية الخلافات بينهما. وفي ظل كل هذه المعطيات، لم يكن تحميل مولانا الحكومة وحدها المسؤولية ورفضه جميع مبرراتها رفضا قاطعا أمرا عاديا، بل كان يشير بوضوح إلى أن الأسباب الحقيقية للأزمة القائمة ليست هي تلك التي عُرضت على الشعب في التصريحات الرسمية.
وأشار الخبراء القانونيون، في هذا السياق، إلى نقطة دستورية أخرى بالغة الأهمية. فبحسب رأيهم، أن الدستور يُقدم كدليل لفرض حكم الحاكم، لكن المتطلبات والشروط الدستورية اللازمة لإعلان حالة الطوارئ قد جرى تجاهلها تماما. وعلى وجه الخصوص، لا تزال مسألة صدور قرار من الجمعية الإقليمية قائمة، إذ لا يظهر لها أي أثر في هذه القضية برمتها.
إنكم تعلقون الأنشطة التعليمية، وتغلقون أبواب المدارس والمؤسسات التعليمية الأخرى، وتقطعون خدمات الهاتف والإنترنت، وتحرمون الشعب من حقوقه الأساسية، بل وتمضون نحو سلبه حقه في تقرير مصيره؛ ومع ذلك، لا تستطيعون تقديم أي مسوغ قانوني معقول لهذه الإجراءات، بالرغم من تقديم تفسيرات تعسفية للدستور.
والسؤال هو: عندما لا يوجد أساس دستوري وقانوني واضح لمثل هذه الإجراءات الصارمة والخطيرة، وعندما تُستخدم سلطات الدولة بلا قيود لانتهاك حقوق الشعب، بينما يُتهرب من تقديم المسوغات القانونية لاستخدام تلك السلطات، فلماذا لا تثار الشكوك بشأن الأهداف والنوايا الخفية وراء هذه الإجراءات؟ أليس من شأن هذا الوضع أن يعزز المخاوف من أن تكون هناك مؤامرة دموية آخذة في التشكل خلف ستار هذه الإجراءات التي تُتخذ باسم الدستور والأمن والنظام العام والأمن القومي، بينما لا تزال أهدافها الحقيقية مخفية عن أنظار الشعب؟
كان الناس في الأزمنة الماضية يقولون إن الجدران نفسها تفشي الأسرار، لكن الزمن قد تغير الآن. فأصبحت ملامح الوجوه وتصرفات الناس تكشف بصوت مرتفع عن الاتجاه الذي يسير فيه الركب والوجهة التي يقصدها. إن فرض حالة الطوارئ في اثنتي عشرة مقاطعة فقط، وفرض حكم الحاكم في المناطق المتبقية، قد تحول في حد ذاته إلى لغز محير. كما أن إخضاع هذه المقاطعات الاثنتي عشرة مباشرة لسلطة الحكومة الاتحادية، والإعلان عن تشكيل لجنة خاصة لهذا الغرض، قد فتحا أبوابا جديدة للشكوك والمخاوف.
وقد أعرب عدد من الخبراء السياسيين والقانونيين عن مخاوفهم من أن المقاطعات التي فُرضت فيها حالة الطوارئ تضم مناجم وثروات معدنية بالغة القيمة، إذ تُقدّر قيمة الثروات المعدنية في بعض هذه المقاطعات بآلاف المليارات. ويرى هؤلاء أن أحد الأهداف المحتملة لهذا الإجراء هو إحكام القوى الحاكمة سيطرتها المباشرة على هذه الموارد الطبيعية. كما اتهمت شخصية سياسية بارزة في الإقليم الجهات الحاكمة باستخدام الإرهاب ذريعة فحسب، مؤكدة أن الدولة لا تملك إرادة جادة للقضاء عليه؛ لأن مليارات الروبيات تُحصل تحت ذريعة مكافحة الإرهاب نفسه، فيما يُمهد الطريق لنهب الموارد الطبيعية الثمينة للإقليم.
ومن جهة أخرى، أعربت أوساط مطلعة عن احتمال أشد إثارة للقلق، مفاده أن خططا قد تكون قيد الإعداد، تحت غطاء حالة الطوارئ وحكم الحاكم، لتحويل هذه المقاطعات الاثنتي عشرة إلى مراكز لتدريب الجماعات الإرهابية الدولية وممارسة أنشطتها. ومن الجدير بالذكر أن أحداثا وشواهد من الماضي أثارت تساؤلات جدية حول دور جهات حكومية في توفير الملاجئ للإرهابيين الدوليين ودعمهم.
وبحسب المعلومات الأخيرة، فإن عناصر من الدولة الباكستانية كانت أيضا وراء التسلل الذي نُفذ في ولايتي نورستان وكونر الأفغانيتين، وقد نُشرت بعض التسجيلات الصوتية والمرئية بوصفها أدلة على هذا الادعاء. كذلك، تشيع بين الناس ادعاءات بشأن وجود دعم وروابط بين بعض الأوساط الحكومية والعناصر المسلحة التابعة لتنظيم داعش والجماعات المتوافقة معه فكريا.
ومن جهة أخرى، تتزايد المخاوف من أن تكون هناك محاولات لتحويل هذه المقاطعات الاثنتي عشرة، تحت غطاء حالة الطوارئ، إلى مراكز لأنشطة المخدرات، فيما بدأت تظهر مؤشرات ودلائل على هذه المحاولات.
وهكذا، لم تعد القضية مقتصرة على انكشاف الأسرار التي كانت تخفيها الجدران. فقد أثارت الأوضاع الجارية والإجراءات المتخذة تساؤلات لم يعد من السهل التغاضي عنها. وليس الأمر مقتصرا على وجهاء المجتمع والمطلعين على خفايا الأمور، بل إن الاعتقاد يتعزز يوما بعد يوم حتى بين عامة الناس بأن وراء هذه الإجراءات الظاهرية أهدافا خفية قد تكون عواقبها مدمرة للسلام والاستقرار في المنطقة.




















































