يمر الوضع السياسي والأمني الراهن في باكستان بأزمة غير مسبوقة وتوتر عميق، تعود جذوره إلى عجز هذا البلد عن الوفاء بالتزاماته الخارجية، وإخفاقاته المالية، ومشكلاته الداخلية المستفحلة. فمن جهة، تراجعت إسلام آباد عن مجموعة من المعاهدات والالتزامات الدولية والإقليمية — مثل مواءمة المعاهدات ومبادئ مكة، والاتفاقات مع شركة “دلتا” وغيرها من المشاريع المالية والتنموية — ورغم تعهداتها المتكررة، عجزت عن تنفيذ ما وعدت به.
إن هذا الإخفاق المالي والانحراف عن الالتزامات والأطر القانونية لم يلحق الضرر بثقة المستثمرين والمؤسسات والأطراف التجارية الدولية والغربية فحسب، بل امتدت ظلال هذا العجز الدبلوماسي والاقتصادي لتلقي بظلال ثقيلة ومباشرة على المسارات الداخلية والمناخ السياسي للبلاد. ففي الداخل، أدى الصراع المحتدم بين القوى السياسية المختلفة، والمعارك الدموية على السلطة، وتفشي الفساد الإداري، وغياب التماسك في الحكم، إلى خلق أزمة معقدة لا يمكن احتواؤها؛ حيث بات النظام العسكري الحاكم وجميع الهياكل العسكرية والاستخباراتية يعانون من حالة شديدة من عدم الرضا والتخبط وفقدان الاستقرار.
وعندما تنهار القواعد الداخلية لنظام عاجز، ويواجه صراعات سياسية داخلية، فإنه يلجأ إلى ترسانته القديمة من الأساليب الاستخباراتية والتخريبية لصرف الأنظار، وكبح المعارضة الشعبية، والهروب من الأحكام الدولية. ومن هذا المنطلق، ومن أجل التغطية على إخفاقاته الداخلية والخارجية، وتشتيت الانتباه عن حدود جيرانه، تسعى باكستان إلى تكثيف تدخلاتها الانحرافية والتخريبية في دول الجوار، ولا سيما في الأراضي الأفغانية والمناطق التابعة لها.
وإن أبرز نموذج واضح وموثق لهذا الفكر الشائن والنهج الاستخباراتي هو محاولة التخريب الأخيرة في مديرية “كامديش” بولاية نورستان. ففي تلك الحادثة، قامت أجهزة الاستخبارات الباكستانية بتنظيم وتجهيز مجموعة من العناصر الفاسدة والشريرة من جماعات “الخوارج” و”داعش” لتشكيل جبهة مشتركة تهدف إلى زعزعة الأمن وإحداث حالة من الفوضى والدمار داخل الأراضي الأفغانية.
بيد أنه، وبفضل لطف ورحمة الله الواسعة، ومن خلال التحركات الاستباقية والدقيقة للقوات الأمنية الأفغانية، تم كشف هذه المؤامرة الكبرى والخطيرة بدقة عالية قبل تنفيذها، مما أدى إلى إحباط كافة أهدافهم الدنيئة ومخططاتهم التدميرية قبل أن ترى النور.
إن هذا الفشل الاستخباراتي المخزي، وبالنظر إلى تآكل مصداقية الحكومة الباكستانية في المراجعات المالية والإدارية والاجتماعية، يجعل سياساتهم تتخذ منحى أكثر انحرافاً وتطرفاً. وبناءً على التحليلات السياسية والأمنية العميقة (الدولية والإقليمية)، فإن الأنظمة الاستخباراتية المهزومة التي تقترب خطوة بخطوة من الانهيار الداخلي والعزلة الخارجية، تلجأ إلى أساليب تخرج عن حدود العقل والمنطق.
وفي هذا السياق، من المرجح جداً، وبناءً على قرائن قاطعة، أن تسعى باكستان — من أجل التغطية على تدخلاتها الفاشلة والمكشوفة، وتضليل الرأي العام الإقليمي والدولي، ومحاولة كسب امتيازات مالية وعسكرية جديدة من القوى الخارجية — إلى تنظيم هجمات وهمية داخل أراضيها في نقاط حساسة وحيوية.
وقد تلجأ أجهزتهم الاستخباراتية إلى تصميم وتنفيذ هجمات خطيرة ومسرحية ومضللة تستهدف البعثات الدبلوماسية، أو السفارات الأجنبية المعروفة، أو المنشآت العسكرية الحيوية وشبكات النقل داخل باكستان؛ وذلك بهدف تقديم أنفسهم أمام العالم كضحايا “للإرهاب وانعدام الأمن”، وفي الوقت ذاته، إلقاء التهم الباطلة على الحكومة الأفغانية ودول الجوار الأخرى لتوفير غطاء اصطناعي لفشلهم العسكري ومشاريعهم التخريبية، مثل ما حدث في “كامديش”.
ختاماً، ومن الناحية المنطقية، فإن جميع هذه المتغيرات المترابطة والوضع الراهن يظهران بوضوح أن التحركات الباكستانية الأخيرة ليست مجرد تصرف مفاجئ، بل هي محاولة يائسة من نظام عاجز ومأزوم للحفاظ على بقائه. إن التراجع عن الالتزامات الدولية، وعجز الحكومة الداخلية، والاستياء العارم من القيادات العسكرية، كلها عوامل تدفعهم نحو تدخلات تخريبية في جيرانهم.
وعندما يضطر نظام ما إلى تصميم سيناريوهات خطيرة ضد منشآته وسفارات الدول الأخرى لتضليل الرأي العام، فإن ذلك يعد دليلاً صارخاً على حالة التخبط والضياع التي يعيشها. إن هذه الشواهد الموثقة تؤكد أن هذا النظام يتحرك في مسار خاطئ ومحتضر، مما يهدد استقرار وأمن المنطقة بأسرها.




















































