عندما تحولت السكينة المهيبة التي تخيم على «قصر الصفا» التاريخي في مكة المكرمة إلى مسرح للتحركات الدبلوماسية، بدا وكأن لحظة كتابة فصل جديد في صفحات التاريخ قد حانت. وكان خبر اجتماع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب اردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني المزعوم شهباز شريف حول طاولة واحدة، بالنسبة إلى «وكالات الأنباء»، عنوانا صاخبا حافلا بالإثارة؛ غير أن الذين يتابعون عن كثب خفايا السياسة العميقة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، رأوا في ذلك مؤشرا على زلزال سياسي هادئ، لكنه عميق.
وحين وقع القادة الثلاثة على وثائق «معاهدة مكة للدفاع المشترك»، بدأت الأحاديث والتكهنات الخفية في الأوساط الدبلوماسية العالمية؛ إذ بدا في روح هذه المعاهدة انعكاس واضح للمادة الخامسة الشهيرة من حلف الناتو، ومضمونها: «الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع…!» ولفهم هذا المشهد اللافت، ينبغي استلهام اسلوب النقاشات الدائرة في المقاهي الشعبية في كابول؛ حيث لا تقاس السياسة بالمصطلحات النظرية المجردة، بل بمرارة حقائق الحياة والأمثلة المستمدة من واقع الناس.
في الظاهر، تبدو هذه المعاهدة كأنها تحالف اسلامي ثلاثي كبير؛ تحالف تجتمع فيه الطائرات المسيرة التركية الحديثة، والتكنولوجيا الرقمية، والقدرات العسكرية الباكستانية المزعومة، التي خاضت الحروب واكتسبت خبرة واسعة، مع النفط السعودي الذي لا نظير له، لتشكيل جدار دفاعي لا يمكن اختراقه. ومن جهة اخرى، يقول الدبلوماسيون بابتسامة: «هذه المعاهدة تنسجم تماما مع ميثاق الأمم المتحدة، وتهدف إلى تقليص الاعتماد على القوى الغربية».
لكن حين يجري تحليل عميق لهذه اللعبة السياسية في أجواء كابول الباردة، والنظر إلى ما وراء دخان وضجيج حروب العقود الخمسة الماضية، تظهر حقيقة قاتمة وكبيرة تختبئ خلف بريق هذه المعاهدة؛ فما يسمى في اللغة الدبلوماسية «شراكة استراتيجية» ليس في جوهره سوى «قصة اعتراف هادئ بفشل» قوة الردع الوطنية المنفردة لباكستان (Single Nation Deterrence). ولفهم هذه الفكرة، تخيل ان احد اغنياء قرية، يملك «النفط والريالات»، استعان لحماية نفسه وماله بمصارع يبدو ظاهريا الاقوى والاكثر خبرة و«الطاهر السيرة» في القرية، واتخذه حارسا له؛ لكنه، لكي يضمن بقاءه حارسا، يمده بالزيت للتدليك، والريالات لشراء الطعام.
لكن عندما تحين لحظة الحاجة، ويشعر الملك بتهديد قادم من القرية المجاورة، ويتضح له في الوقت نفسه ان المصارع نفسه قد وقع في شبكة من امراضه الخفية وديونه الثقيلة وخلافاته العائلية، إلى درجة انه «لا يستطيع سوى ان يبادل اهل القرية المجاورة النظرات، ولا يملك القدرة على تحديهم»؛ يجد الملك نفسه في نهاية المطاف مضطرا إلى الاستعانة برجل اخر من المدينة، مجهز بالاسلحة الحديثة، وضمّه إلى جانبه. يمتد تاريخ العلاقات الدفاعية بين باكستان والمملكة العربية السعودية لعقود طويلة؛ لكن ما الذي حدث في نهاية المطاف حتى اضطرت الرياض إلى طرق باب انقرة ايضا؟
اول واكبر هذه الاسباب هو الازمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها باكستان. فمهما كانت القوة العسكرية كبيرة، اذا كان اقتصادها منهكا وضعيفا، فإن التهديد الذي تمثله يفقد قدرته على ردع الطرف المقابل ومنعه من شن هجوم. فحتى لو كان في يد شخص اكثر البنادق تطورا في العالم، لكنه محتاج إلى كل طلقة، ولا يملك بعد نفاد الذخيرة والبارود القدرة على شراء المزيد، فلن يخشاه منافسه ابدا. لقد افقد الضعف الاقتصادي لباكستان تهديدها العسكري تأثيره، وكانت القوى الاخرى في المنطقة، ولا سيما ايران، تدرك جيدا ان اسلام اباد ليست في وضع يمكنها من تحمل العبء المالي لصراع طويل الأمد.
المشكلة الكبرى الثانية تتمثل في الوضع الداخلي لباكستان نفسها. ففي الوقت الراهن، ينشغل كامل اهتمام الجيش الباكستاني، وتستخدم غالبية قواته، في مواجهة تصاعد العنف المسلح داخل البلاد، وهجمات حركة طالبان باكستان (TTP)، وقمع حالة انعدام الأمن في بلوشستان. فعندما يكون بيت المرء نفسه مشتعلا من الداخل، لا يستطيع ان يوجه كامل اهتمامه لإنقاذ بيت جاره من خطر الحريق. وقد دفعت الاضطرابات الداخلية باكستان إلى مستوى لم تعد معه قادرة على الوقوف كدرع فولاذي متكامل في مواجهة التهديدات غير التقليدية أو الوكيلة الناشئة ضد المملكة العربية السعودية.
اما الجانب الثالث، فيرتبط بحسابات دبلوماسية وجغرافية دقيقة. فباكستان وايران تشتركان في حدود طويلة، ويرتبط البلدان باحتياجات طويلة الأمد ومصالح متبادلة في مجال الطاقة. علاوة على ذلك، فإن وجود اقلية دينية كبيرة في باكستان ترتبط بعلاقات مع ايران، وما يحيط بذلك من حساسيات، لا يسمح لاسلام اباد بأن تنخرط، من اجل الرياض وحدها، في مواجهة عسكرية علنية ضد طهران.
ظل موقف باكستان تجاه ايران، في الغالب، محصورا في حدود التصريحات الحذرة وردود الفعل المحدودة. وعندما خلصت المملكة العربية السعودية إلى ان باكستان وحدها لا تكفي لتكون «قوة ردع» متكاملة بالنسبة اليها، التفتت ايضا نحو تركيا لسد هذه الفجوة. ومشاركة تركيا في هذا التحالف هي في جوهرها نتيجة لهذه القيود الاقتصادية والجغرافية نفسها التي تواجهها باكستان.
تتمتع تركيا باستقرار اقتصادي، وهي عضو مخضرم في حلف الناتو، كما اثبتت قدراتها في تكنولوجيا الطائرات المسيرة على المستوى العالمي. وعلى الرغم من ان معاهدة مكة تقدم في ظاهرها باعتبارها احتفالا بانتصار تاريخي، فإن التعمق في طبقاتها الدقيقة والخفية يكشف ان الدولة، مهما كان تاريخها حافلا ومهما كان جيشها قويا، لا تستطيع بمفردها، عندما تفقد اقتصادها واستقرارها الداخلي، ان تقدم للآخرين ضمانات حقيقية للأمن والحماية.
خلف الاضواء المتلألئة في مكة، تكمن هذه الحقيقة المرة لباكستان؛ تلك الحقيقة التي انكشفت امام العالم من خلال هذه المعاهدة، حتى من دون رغبة الجيش الباكستاني…




















































