كل عمل أو سلوك يؤثر في عقل الإنسان وفكره ونفسيته، ولا تُستخدم فيه الأسلحة العسكرية، يُعد حربا فكرية ونفسية. فالحرب النفسية والفكرية هي تلك الاستراتيجية الخفية والمؤثرة التي ينتهجها العدو، فيستبدل بالأسلحة المادية استهداف مشاعر الناس ومعتقداتهم وأفكارهم، بغية إضعاف إرادتهم وإخضاعهم لتأثيره بما يخدم أهدافه.
أما في الحرب العسكرية، فتستخدم المدافع والطائرات والدبابات والأسلحة النووية وغيرها من الأسلحة الخطرة. وفي هذه الحرب تُراق الدماء، ويُقتل الناس ويُصابون، وتُدمّر المباني والطرق والأراضي الزراعية وسائر البنى التحتية، كما يلحق الضرر بالبيئة والكائنات الحية. أما الحرب الفكرية والنفسية، فعلى النقيض من ذلك، تُخاض من دون أسلحة عسكرية؛ إذ يصبح فكر الإنسان وعقيدته وذهنه ونفسيته هدفا لها. ورغم أن الناس قد يظلون أحياء في ظاهر الأمر، فإن هويتهم الفكرية والنفسية والعقدية قد تتعرض لضرر بالغ، فينحرفون عن هدفهم ومسارهم الأصلي.
الحرب الفكرية والنفسية:
جاء في كتاب «اصول الغزو الفكري» في تعريف الحرب الفكرية:
«هو الغزو بالوسائل غير العسكرية.»
(اصول الغزو الفكري، ص 4)
كما ورد فيه:
«هو اسلوب جديد للغزو ضد المسلمين بعد هزائم متكررة.»
(اصول الغزو الفكري، ص 4)
اهداف الحرب الفكرية والنفسية:
إن اعظم اهداف الحرب الفكرية هو اخضاع الطرف المقابل لنفوذها وتأثيرها، وحمله على قبول مطالبها، والحيلولة دون وقوف اي عائق في طريق تحقيق اهدافها. ويتمثل هدفها الاساسي في اضعاف امة ما ذهنيا وفكريا، واخضاعها لفكرها وجعلها اسيرة له. وكما جاء في «اصول الغزو الفكري»، فإن هذا هو الهدف الاساسي لاعداء الدين.
يمكن القول باختصار إن من الاهداف الاساسية لهذه الحرب القضاء على روح المقاومة لدى المسلمين في مواجهة الغرب، وزرع الشك في نفوسهم تجاه دين الاسلام وحضارته وقيمه الانسانية، والحيلولة دون وصول الاسلام الحقيقي والمتكامل الى المجتمعات الغربية. كما يعد ايجاد قيادات زائفة للعالم الاسلامي، تكون خاضعة لاطراف خارجية، من الاهداف الاساسية لهذه الحرب.
موضوعات الحرب الفكرية:
تشمل موضوعات الحرب الفكرية والنفسية جميع الاسباب والوسائل التي من شأنها تغيير افكار امة ما ونظرياتها ومعتقداتها وقيمها. (اصول الغزو الفكري، ص 5) ويعمل انصار هذه الحرب على حماية عقائدهم وافكارهم وثقافتهم وحضارتهم، والسعي الى تحقيق التفوق الفكري والثقافي على الأمم الأخرى.
وفي الوقت الحاضر، تسعى العديد من الدول القوية في العالم إلى توسيع نفوذها على المسلمين، بصورة علنية او خفية. ففي كثير من البلدان الاسلامية، يجري الى جانب الغزو العسكري غزو فكري وثقافي ايضا. بل ان بعض الدول تحولت، حتى من دون تعرضها لغزو عسكري، الى ادوات لتحقيق اهداف اطراف خارجية. وعندما تتعرض دولة اسلامية لهجوم عسكري، تتعاون معها بعض العناصر الداخلية والخارجية. كما تنشر في وسائل الاعلام مواد ومضامين تلحق الضرر بالامة الاسلامية. (اصول الغزو الفكري، ص 6)
أساليب الحرب النفسية:
تستخدم الحرب النفسية، في الغالب، الأساليب التالية للتأثير في عقول الناس:
1- نشر الحزن والكآبة: يحاول العدو تقديم صورة سلبية وغير متوازنة عن واقع المجتمع، ودفع الناس إلى اليأس من مستقبلهم، وإضعاف آمالهم.
2- بث اليأس: عندما يعجز الإنسان عن بلوغ أهدافه رغم كثرة محاولاته، يصاب باليأس. ويحاول العدو تعزيز هذه الحالة، وإضعاف ثقته بنفسه، وسلبه الأمل في التقدم.
3- إشاعة الخوف والرعب: يعد بث الخوف من أكثر وسائل الحرب النفسية تأثيرا. ومن خلال الحروب والضغوط الاقتصادية والعقوبات السياسية والدعاية الإعلامية، تجري محاولات لإضعاف معنويات الناس والقضاء على دافع المقاومة.
4- نشر الشائعات: في هذا المجال، تجري أولا دراسة مختلف جوانب المجتمع، ومعرفة مطالبه وميوله ومستوى أوضاعه الاقتصادية والتعليمية والثقافية والاجتماعية والسياسية. ثم توضع برامج مختلفة للتأثير فيه؛ وهي برامج تهدف إلى تشكيل عقول الناس بطريقة تجعل من الممكن توظيفها لخدمة مصالحهم، وزرع الشك لديهم تجاه أوضاعهم الاقتصادية والتعليمية والثقافية والاجتماعية والسياسية.
وقد يجري تضخيم قضية سياسية صغيرة إلى حد يجعلهم يعتقدون أن كل شيء سيتغير وينهار خلال فترة قصيرة جدا، أو أن القائمين على الحرب الفكرية والنفسية يظهرون قوتهم بصورة مبالغ فيها، حتى يفقد الرأي العام قدرته على التحمل، ويصبح فاقدا للثقة في استقرار نظامه وقوته.
5- إيجاد أتباع لهم في البلدان الإسلامية والمجتمعات المسلمة:
من أهم أساليب الحرب الفكرية والنفسية العثور في المجتمعات المستهدفة على أشخاص أو جماعات أو مؤسسات، أو إخضاعهم للتأثير بوسائل مختلفة، بحيث يساعدون في تحقيق الأهداف السياسية أو الأمنية أو الدعائية للأطراف الخارجية؛ ويتم ذلك من خلال الدعم المالي، والتعاون الدعائي، والنفوذ السياسي، والأنشطة الإعلامية، ونشر المعلومات المضللة، أو الترويج لروايات محددة.
ومن خلال هؤلاء الأشخاص أو الجماعات، تجري محاولات للتأثير في الرأي العام داخل المجتمع، وزيادة انعدام الثقة والخلافات بين الناس، وإثارة الشكوك حول القيم العامة والدينية للمجتمع، وإضعاف وحدته. وفي بعض الحالات، تجري محاولات لخلق بيئة من خلال وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي والأنشطة الثقافية والدعاية السياسية، تضمن مصالح الأطراف الخارجية وتضعف قدرة المجتمع على اتخاذ قراراته بصورة مستقلة.
ومن هنا، من المهم لكل مجتمع إسلامي أن يبقى يقظا في مواجهة مختلف أشكال النفوذ الخارجي والعمليات الدعائية، من خلال الوعي الإعلامي، والبصيرة العلمية، والوحدة الوطنية، واحترام القانون، والتحقق من صحة المعلومات، وأن يتحرى حقيقة الروايات والمعلومات قبل قبولها أو الانسياق وراء الشائعات.




















































