في السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من تكرار النظام العسكري الباكستاني ادعاءاته بشأن مكافحة الإرهاب، فإنه تحول عمليا إلى أكبر داعم وراع للجماعة التكفيرية داعش ولجماعات الشر والفساد. ويجري تطبيق هذه السياسة المزدوجة والمتناقضة والمضللة في وقت تنفق فيه مليارات الروبيات من ثروة الشعب الباكستاني على تدريب داعش وجماعات الشر والفساد وعناصرها المأجورة، أي أفراد المليشيات السابقة، وتجهيزهم ورعايتهم، في حين يواجه غالبية الشعب الباكستاني، في ظل هذا النظام العسكري نفسه، الفقر والبطالة وغلاء المعيشة وغياب الخدمات الصحية الأساسية وغيرها من المشكلات العديدة.
وتتم هذه النفقات الباهظة في ظروف لم تسفر فيها عن تعزيز أمن الشعب الباكستاني، بل على العكس من ذلك، أدت إلى اتساع نطاق انعدام الأمن وتزايد المخاوف من وقوع الهجمات. وبعبارة أخرى، فإن باكستان، بمواصلة هذه السياسة، تهدر ثرواتها الوطنية من جهة، وتعرض أمن شعبها لخطر جسيم من جهة أخرى، من دون أن تحقق للبلاد أي مكسب إيجابي.
ومن أكثر النتائج تدميرا لهذه السياسة فقدان الشعب الباكستاني ثقته بالمؤسسات العسكرية والسياسية. فالشعب الذي يرى بأم عينيه أن الجيش يتعامل ويتعاون مع الجماعات نفسها التي يزعم أنه يحاربها، لم يعد قادرا على اعتبار الجيش حارسا حقيقيا للأمن القومي ووحدة أراضي البلاد. وهذا انعدام الثقة يمتد تدريجيا إلى النظام السياسي برمته، ويضع شرعية الحكومة موضع تساؤل. وفي مثل هذه الحالة، يصل الناس إلى قناعة مفادها أن المؤسسات الحاكمة تعمل، بدلا من خدمة المصالح الوطنية، من أجل الحفاظ على سلطتها ومصالحها الخاصة.
وهذا الشعور باليأس وانعدام الثقة يمهد الطريق أمام الحركات الاحتجاجية، بل وحتى النزعات الانفصالية، ويدفع البلاد نحو عدم الاستقرار السياسي واحتمال الانهيار. وقد أثبتت التجارب التاريخية أنه عندما تنقطع صلة الثقة بين الشعب والحاكم، فإن أي قوة عسكرية أو أمنية لن تتمكن بعد ذلك من الحفاظ على استقرار البلاد، وتبدأ المجتمعات تدريجيا في الانجراف نحو الفوضى والانهيار.
من جهة أخرى، فإن دعم أكبر جماعة تكفيرية في العالم، أي داعش، وكذلك جماعات الشر والفساد، قد ألحق ضررا بالغا بالمكانة الدولية لباكستان أمام الرأي العام في المنطقة والعالم. فالدولة التي ترفع شعار مكافحة الإرهاب، بينما تعمل في الواقع على تدريب الإرهابيين واستخدامهم في دول أخرى لتحقيق أهدافها السياسية، ستفقد مكانتها واعتبارها في المجتمع الدولي في وقت قريب، وستتجه على المدى البعيد نحو العزلة تحت تأثير الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية.
واليوم، حتى حلفاء باكستان المقربون ينظرون بعين الشك إلى سياسات هذا البلد، ويحاولون إبقاء علاقاتهم معه في إطار المصالح الاقتصادية فحسب، لا على أساس الدعم السياسي غير المشروط. وتعني هذه العزلة الدولية تراجع المساعدات المالية والعسكرية، وانخفاض الاستثمارات الأجنبية، وزيادة القيود التجارية، وفي نهاية المطاف ضعف مكانة باكستان في موازين العلاقات الدولية. وفي عالم اليوم، حيث تعد الشراكات الدولية أساسا للتقدم والازدهار، لا يمكن لأي دولة أن تحظى بمكانة مقبولة في إطار النظام الدولي بمواصلة مثل هذه السياسة، وسيصبح ذلك أكبر عائق أمام تقدم باكستان وبناء مستقبلها.
ولعل أخطر آثار هذه السياسة هو تهديد الوحدة الوطنية لباكستان. فباكستان دولة قامت على أساس هوية دينية، لكنها في واقع الأمر مزيج من قوميات ولغات وثقافات وهويات تاريخية مختلفة، كبيرة وصغيرة. فالبنجابيون والسنديون والبشتون والبلوش وغيرهم من القوميات، لكل منهم هويته الخاصة، وأي شكل من أشكال التمييز والظلم البنيوي يمكن أن يدفع هذه الهويات نحو النزعات الانفصالية. والتعاون مع داعش وجماعات الشر والفساد يفضي إلى النتيجة التخريبية نفسها.
وعندما يمارس الجيش الباكستاني، عبر هذه الجماعات، الضغوط على البشتون والبلوش، فإنه يوجه إليهم في حقيقة الأمر رسالة مفادها أنكم مواطنون من الدرجة الثانية في هذا البلد، وأن حقوقكم لا قيمة لها. وهذا الشعور بالحرمان والتمييز سيتحول على المدى البعيد إلى حركات انفصالية أكثر قوة، وهي حركات لن ترضى بعد ذلك بالصمت مقابل المال والوعود الفارغة، بل ستناضل حتى النهاية من أجل حقوقها. وقد أظهر التاريخ أن الدول متعددة القوميات إما أن تبلغ الاستقرار والتقدم من خلال العدالة والمشاركة المتساوية لجميع القوميات، أو تمضي بفعل التمييز والقمع نحو الانحلال والتفكك. وللأسف، يبدو أن باكستان تختار الطريق الثاني، وتمهد بنفسها، بمواصلة هذه السياسات الخاطئة، الطريق لانهيارها المحتمل.
في الختام، فإن ما يستخدم اليوم وسيلة لإضعاف الدول المجاورة، سيتحول في المستقبل القريب جدا إلى وسيلة لإضعاف باكستان نفسها. فجماعات داعش وغيرها من جماعات الشر والفساد ليست في جوهرها وفية لأي دولة؛ إذ ترتبط ولاءاتها بالمال والمصالح قصيرة المدى، ومتى ما انقطع الدعم المالي الباكستاني عنها، أو رأت أن مصالحها تتحقق بصورة أفضل في مكان آخر، فإنها ستستخدم دون تردد ضد باكستان نفسها.
والجماعات التي يجري اليوم تدريبها وتجهيزها بتمويل باكستاني، قد ترفع غدا السلاح في وجه جيش هذا البلد وشعبه. وقد أثبتت التجارب المريرة في التاريخ أن رعاية الجماعات الوكيلة وشبه العسكرية لم تكن قط في مصلحة من قام بتدريبها، بل إن النتائج الوخيمة لهذه السياسة عادت في نهاية المطاف لتصيب البلد نفسه. ولن تكون باكستان استثناء من هذه القاعدة، وستدفع عاجلا أم آجلا ثمنا باهظا لهذا الخطأ الاستراتيجي.
ويراقب الإمارة الإسلامية هذه المؤامرات منتهى اليقظة، وبالاستناد إلى الدعم الشعبي وتجربة الجهاد، لن تسمح أبدا للجماعات المأجورة والوكيلة بأن تهدد أمن افغانستان واستقرارها. غير أن الحقيقة الأكثر إثارة للقلق هي أن باكستان، بمواصلة هذه السياسة، تقترب يوما بعد يوم من هاوية زوالها وسقوطها المحتمل.




















































