إن استقرار أي نظام وسيادته لا يعتمدان فقط على وجوده الجغرافي، بل يرتكزان أيضاً على الرؤية الثاقبة للقوات الأمنية والاستخباراتية، والقدرة على التحرك الفكري الواعي، والبراعة في إحباط التهديدات وإفشالها قبل وقوعها. وإذا ما نظرنا إلى الحقائق والتطورات الميدانية الأخيرة، يتضح جلياً أن الاستراتيجية الدفاعية والاستخباراتية الأفغانية قد تجاوزت مرحلة “الدفاع السلبي” وانتقلت إلى مرحلة “المبادرة الكاملة” والحازمة والفعالة.
إن هذا النضج في الرؤية الاستخباراتية يمثل مرحلة كشف المخططات الداخلية والخارجية بدقة، واجتثاث جذور النفوذ الاستخباراتي الإقليمي؛ وهي مرحلة لا تكتفي بجعل احتمالات التخريب تقترب من الصفر فحسب، بل تمنح النظام الإسلامي قوة مستدامة أيضاً. وتتجلى صورة حية لهذا الوعي الاستخباراتي والقدرة العملياتية في النجاح المحقق في القضاء على بؤر الاضطرابات في منطقة “نسي” النائية والريفية في ولاية بدخشان؛ حيث كان الهزيمة الميدانية لجماعة من المتمردين هناك ثمرةً لعملية استباقية وتحليل استخباراتي عميق وغير مسبوق.
لقد كانت المساعي الخبيثة لشبكات استخباراتية أجنبية في تلك المنطقة تهدف إلى خلق أزمة جديدة في الشمال الشرقي عبر تدريب العناصر المتطرفة والمتمردة وإيوائهم وتقديم الدعم المالي لهم، إلا أن كشف العلاقات الاجتماعية والفردية أثبت أن النظام الاستخباراتي يمتلك القدرة الكاملة على رصد وتحليل المؤامرات التي تُحاك خارج حدود البلاد.
وفي سياق هذه العمليات الحساسة، جاء القضاء على المدعو “حسيب بنجشيري” — وهو عنصر محوري مفسد كان يتلقى توجيهات مباشرة من شبكات أجنبية — وتصفية ثلاثة من رفاقه الخاطفين، بالإضافة إلى اعتقال تسعة مهاجمين آخرين أحياء، ليمثل ضربة أرضية وحاسمة للعناصر الخارجية والمخططات التخريبية.
إن هذه الحقائق المترابطة ليست مجرد أحداث معزولة في ولاية أو منطقة معينة، بل تؤكد التحليلات الاستخباراتية الدقيقة أن كافة المساعي المصلحية والتمردات في البلاد تستمد قوتها وتمويلها من مصدر واحد. لذا، فإن سحق التمرد في منطقة “نسي” والضربات الحاسمة الأخيرة ضد المشاريع الفكرية والعملياتية لتنظيم “داعش” ما هي إلا نماذج واضحة لهذا الفكر الاستباقي.
لقد شنت القوات الاستخباراتية الأفغانية غارات استباقية على معاقل ومخابئ تنظيم “داعش” بهدف قطع شرايينهم العملياتية، وشبكات الإمداد، والمراكز الدعائية من جذورها. إن هذا الفتنة الخطيرة من التكفير والإرهاب لا يمكن كبح جماحها بمجرد “رد الفعل” الدفاعي، بل تقتضي الضرورة إغلاق المسارات المالية والفكرية قبل انطلاق الهجوم؛ وهذه هي الاستراتيجية التي تتبناها القوات الأمنية الأفغانية الآن.
إن الثمرة الأكبر لهذا اليقظة الاستخباراتية، وتصفية العناصر المعادية، واجتثاث مخططات “داعش”، هي الشعور بالطمأنينة والأمن المستدام الذي يشهده البلد في هذه الأيام المباركة من الاستقلال والسيادة الإسلامية. إن صمت الانفجارات وتراجع سيناريوهات الاضطرابات المتكررة في أنحاء البلاد يثبت أن الأجهزة الاستخباراتية قد انتقلت فعلياً من مرحلة “رد الفعل” إلى مرحلة “المبادرة”، مما أدى إلى إفشال مراكز التخريب قبل أن تتحرك، ولم يكن غياب العوائق والوقائع مجرد مصادفة، بل كان نتيجة منطقية لآلاف الساعات من السهر والمراقبة الاستخباراتية التي شلت شبكات النفوذ من “نسي” وحتى العاصمة.
ختاماً، إن الهزيمة في قمم جبال بدخشان، وصولاً إلى القضاء الجسدي على عناصر الفساد، والضربات العميقة ضد نفوذ “داعش”، وتحقيق الأمن الشامل في البلاد، كلها حلقات في سلسلة مترابطة. إن هذه التحركات تثبت أن القطاع الدفاعي والاستخباراتي الأفغاني يتمتع بقدرة ابتكارية، وانتماء إسلامي عميق، وعزيمة إسلامية صلبة لإفشال التدخلات الخارجية والفتن الداخلية.




















































