غزوات الرسول صلی الله علیه وسلم والدروس المستفادة منها!الجزء السادس و الثلاثون

أبو ریان حمیدي

الصعود نحو الجبل

لما وصل الصحابة الكرام إلى رسول الله ﷺ، بادروا جميعًا إلى الصعود نحو الجبل دون إبطاء، وكان المشركون يلاحقونهم من خلفهم. فكان الصحابة يبذلون غاية جهدهم في صدّهم ودفعهم، إذا لم تكن السيوف أو الرماح في أيديهم، رشقوهم بالحجارة. وهكذا أثمرت تلك المقاومة الصلبة، فتراجع المشركون وانكسر اندفاعهم، غير أن عددًا كبيرًا من الصحابة نالوا الشهادة في أثناء ذلك.

وكان الهدف من الصعود إلى الجبل كسر الطوق العام الذي فرضه المشركون؛ إذ كان المسلمون محاصرين من كل جانب، فجاء هذا التحرك الحكيم لتمزيق حلقة الحصار ولمّ شتات الجيش، فكان – بلا ريب – خطة موفّقة ومثمرة.

والأعجب من ذلك أنّه في خضمّ تلك اللحظات الدامية العصيبة، نزل على الصحابة نعاس عجيب، وسرى في قلوبهم شعور بالأمن والطمأنينة، كما قال الله تعالى في محكم تنزيله:

﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾

ويروي أبو طلحة رضي الله عنه فيقول: كنتُ من الذين غشيهم ذلك النعاس، فكانت تسقط السيف من يدي، فألتقطها، ثم تسقط مرة أخرى، فأعود فأمسكها.

ولما صعدت تلك المجموعة من المسلمين إلى الجبل، فتحت الطريق لبقية الجيش، فالتحقوا جميعًا برسول الله ﷺ واجتمعوا حوله في ذلك الموضع.

الهجوم الأخير للمشركين

استقرّ رسول الله ﷺ في الجبل، ولحق به سائر الجيش، فعاد المشركون بقيادة أبي سفيان وخالد بن الوليد لمحاولة أخيرة، يريدون بها استئصال المسلمين. غير أن جيش الإسلام كان قد استعاد تماسكه، وبفضل القيادة العسكرية الحكيمة لرسول الله ﷺ نجا المسلمون من براثن الحصار.

وخرجت مجموعة من الصحابة بقيادة عمر بن الخطاب رضي الله عنه للتصدي لهم، فدفعوا المشركين وردّوهم على أعقابهم.

ويقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: قال لي رسول الله ﷺ في تلك اللحظة: «اكفِني المشركين». فقلت: كيف أفعل ذلك وحدي؟ غير أن النبي ﷺ كرر عليّ هذا الأمر ثلاث مرات.

قال سعد: فأخرجت سهمًا من كنانتي، فرميت به أحد المشركين فقتلته، ثم ذهبت فأخذت السهم نفسه، فرميت به مشركًا آخر فقتلته، ثم عدت فأخذته مرة ثالثة فرميت به مشركًا ثالثًا فقتلته. عندها انكفأ المشركون وتراجعوا، وفشلت محاولتهم.

ويضيف سعد رضي الله عنه: احتفظتُ بذلك السهم عندي، فبقي معي حتى وفاتي، ثم احتفظ به أبنائي من بعدي.

وهكذا انقلب الهجوم الأخير للمشركين عليهم وبالًا، إذ هلك ثلاثة من رجالهم بسهمٍ واحد أطلقه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

التمثيل بجثامين الشهداء

بعد أن باء الهجوم الأخير للمشركين بالفشل، أقدموا على فعلٍ شنيع، فمثّلوا بجثامين الصحابة الشهداء؛ فقطعوا أنوفهم وآذانهم، وقلعوا أعينهم، و جَبوهم وبقروا بطونهم

وكان وحشي بن حرب – قد قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه – قد أتى في اللحظات الأخيرة من المعركة إلى هند بنت عتبة، فبشرها بمقتل حمزة رضي الله عنه. وكان حمزة قد قتل أباها عتبة يوم بدر، فغمرها الفرح ووعدت وحشيًا بعظيم الجزاء.

ثم مضى وحشي معها إلى جسد حمزة رضي الله عنه، فأقدمت هند على التمثيل به؛ فقطعت أنفه وأذنيه، وشقّت بطنه، واستخرجت كبده، فجعلتها في فمها تريد أن تمضغها، فلم تستطع، فقذفت بها بعيدًا.

شدة العطش ومواقف نساء المسلمين

وفي تلك الساعات العصيبة، حضرت نساء من المدينة المنورة إلى ميدان القتال، يحملن قِرَب الماء، يملأنها ثم يسقين بها المسلمين العطشى. وكانت عائشة، وأم سليم، وأم أيمن رضي الله عنهن في طليعة أولئك النسوة المؤمنات.

وجاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالماء إلى رسول الله ﷺ ليشرب، غير أن رائحته لم تكن طيبة، فلم يشربه، لكنه غسل به جراحه الشريفة. وتولت فاطمة رضي الله عنها غسل جراح وجهه ورأسه، وكان علي رضي الله عنه يصبّ الماء، غير أن الدم كان يسيل من رأس رسول الله ﷺ بغزارة ولا ينقطع.

فأحرقت فاطمة رضي الله عنها قطعة من حصير، ثم وضعتها على الجرح، فاستمسك الدم وتوقف النزيف. وبعد ذلك جاء محمد بن مسلمة رضي الله عنه بماء، فشرب منه رسول الله ﷺ.

اللحظات الأخيرة: حوار أبي سفيان وعمر رضي الله عنهما

لما عزم المشركون على الانصراف، أقبل أبو سفيان قبل رحيله نحو الجبل، نادى بأعلى صوته قائلاً: أفي القوم محمد؟
فنهى رسولُ الله ﷺ الصحابةَ الكرام عن الجواب. فأعاد أبو سفيان سؤاله ثلاث مرات، ولم يجبه أحد.

ثم قال: أفيكم ابن أبي قحافة؟
وكررها ثلاث مرات، فلم يجبه أحد كذلك.

ثم قال: أفيكم عمر بن الخطاب؟
وكررها ثلاث مرات، فلم يُجبه أحد.
عندئذٍ قال أبو سفيان لأصحابه: إن هؤلاء قد قُتلوا جميعًا، ولو كانوا أحياءً لأجابوا.

فهاجت غيرة عمر رضي الله عنه، فلم يملك نفسه وقال: كذبتَ والله يا عدوَّ الله، أبقى الله عليك ما يُخزيك

عند ذلك قال أبو سفيان: أُعلُ هُبَل، أُعلُ هُبَل

فقال رسول الله ﷺ لعمر رضي الله عنه:
قُل له: اللهُ أعلى وأجلّ

فقال أبو سفيان: لنا العُزّى ولا عُزّى لكم

فقال عمر رضي الله عنه، امتثالًا لتوجيه رسول الله ﷺ: لنا المولى ولا مولى لكم

Exit mobile version