السادس والعشرون من دلو؛ ملحمة الحرية!

طلحة مبارز

يوافق السادس والعشرون من دلو الذكرى السابعة والثلاثين لانسحاب القوات السوفييتية الحمراء من أفغانستان. وتُعدّ هذه المناسبة ذكرى حيّة لتضحيات الشعب المسلم في أفغانستان وبسالته وشجاعته التي لا نظير لها.
في السادس من دلو عام 1358هـ ش، غزا الجيش المتكبر والمغرور للاتحاد السوفييتي السابق – مجهزاً بأحدث أسلحته وتقنياته – أفغانستان المظلومة. كانوا يريدون القضاء على إيمان هذا الشعب وقيمه الإسلامية، وإقامة نظام علماني ملحد فوق أرض أفغانستان. وخلال هذا الغزو الفاشل والمفروض، قتلوا وجرحوا وأسروا وشوّهوا أكثر من مليون أفغاني، وأجبروا آلافاً آخرين على ترك ديارهم والنزوح.
وعلى الرغم من وقوف عدد محدود من المخدوعين إلى جانب المحتلين، إلا أن الشعب الأفغاني الشريف والمؤمن بأسره هبّ بصوت “الله أكبر”، ورفع السلاح بأيدٍ خالية وقلوب مملوءة بالإيمان. فنهض مجدداً بنداء الجهاد والحرية، وخرج من الجبال والقرى متحدين صفاً واحداً، حتى تحوّلوا إلى قوة أطاحت ببيوت الظالمين المستبدين القابعين في قصورهم. وبعون الله تعالى جلّ جلاله ألحقوا بهؤلاء الغزاة المتجبرين هزيمة ساحقة سُجلت في صفحات التاريخ كواقعة عظيمة مليئة بالعبرة.
وقد تحمل الشعب خلال هذه المسيرة الطويلة والدامية من أجل الحرية والاستقلال جراحاً وآلاماً كبيرة. فما زال كثير من البيوت حتى اليوم يجهل مصير أبنائه وآبائه الذين فُقدوا في تلك الحقبة، دون أن تظهر أي علامة مؤكدة تدل على حياتهم أو شهادتهم. وكلما اكتُشفت مقابر جماعية في بعض الولايات، تجددت تلك الجرائم في الذاكرة، وعرف الأهالي أبناءهم المفقودين من بين الضحايا.
وحين توكّل هذا الشعب على الله تعالى توكلاً صادقاً، لم يستسلم – رغم عشر سنوات من النضال والجرائم والفظائع التي ما تزال صورها حاضرة في ذاكرة بعض الشيوخ – ولم يرضخ مطلقاً للجيش المحتل المجرم. بل دفع ثمن الحرية بدمائه، ووجّه إلى جيش الاحتلال هزيمة كاسرة للأنوف، أفقدته القدرة على المقاومة، واضطر في النهاية إلى مغادرة هذه الأرض منكّساً رأسه، تاركاً وراءه آلاف القتلى والجرحى والمفقودين من جنوده. وكانت تلك الهزيمة درساً وعبرةً تاريخية لقوى العالم الأخرى، كي تنزع فكرة احتلال أفغانستان من عقولها.
وباختصار، فإن السادس والعشرين من دلو هو يوم العزة والفخر والمجد الوطني. يوم يشهد على شجاعة شعب خطّ بيده قدره، بإيمانه وثباته وعزيمته التي لا تكلّ. وإن ذكرى شهداء هذا الطريق ستبقى منارة مضيئة في قلب التاريخ، وستظل تضحيات هذا الشعب الحر وبطولاته خالدةً في سطور التاريخ الذهبية، كما نشهد كل عام مراسم إحياء هذه المناسبة وتكريم أبطالها. فأبناء وأحفاد أولئك المجاهدين الذين وقفوا في وجه القوات السوفييتية الحمراء وضحّوا بأرواحهم، يقفون اليوم مرفوعي الرأس بفخر على إرث أسلافهم التاريخي.

Exit mobile version