أفغانستان؛ موطن الأحرار ومقبرة الغزاة!

عبدالبصیر عمري

لقد خُلِقت الفطرةُ على أن يكون الإنسانُ حرًّا مستقلاً، وهذه الخصيصة ليست مقصورة على البشر فحسب، بل تراها في الحيوان أيضًا؛ فكلُّ مخلوقٍ يدافع عن حريته وموطنه ولو كان ضعيفًا، وكذلك الإنسانُ بطبعه يأبى الذلّ، ولهذا جاء الإسلامُ موافقًا لهذه الفطرة فحثَّ على الدفاع والجهاد في وجه العدوان، وكلما وقع اعتداءٌ على أرض الإسلام وجب على المسلمين جميعًا أن يقاتلوا ذلك العدوَّ المعتدي.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«وأما قتال الدفع فهو أشدّ أنواع الدفع عن الحرمة، فهو واجبٌ بالإجماع، فالعدوّ الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، ولا يُشترط له شرط».
(الفتاوى الكبرى، ج ٤، ص ٦٠٨)

وقد جسّد رسول الله ﷺ وأصحابه في الغزوات والمواقع الدفاعية بطولاتٍ فريدة لا نظير لها في تاريخ الإنسانية.
وخلاصة القول: إن القتال ضد العدوان مغروسٌ في الفطرة الإنسانية، والإسلام أكد عليه أشدّ التأكيد. ومن بين المسلمين المعاصرين يُعدّ الشعب الأفغانيّ تلك الأمة التي كسرت شوكة كلّ غازٍ، فبالإمكانات القليلة والوسائل البسيطة أسقط إمبراطورياتٍ عظيمة، وأثبت أنه بحقّ من أبناء الإسلام الصادقين الذين أعادوا بعزّتهم إحياءَ الدين والأرض.

وقال الشيخ المجاهد عبد الله عزّام رحمه الله عن الأفغان: إن أرض أفغانستان المقدسة، التي رُويت بدماء أبنائها الطاهرة، قدّمت قرابة مليون شهيد، وما تزال تقدّم الأرواح والدماء والجسوم الممزّقة في مواجهة أقوى جيوش الأرض، وليس عجيبًا أن يفعل هذا الشعب ذلك؛ فهذه الخصيصة متأصلة فيه منذ جذوره، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «الولد سرّ أبيه، سواءٌ في العلم أو الكرم أو الشجاعة».

وهذه الأرض أنجبت شخصياتٍ علمية عظيمة مثل: الإمام أبي حنيفة، والبيهقي، والبلخي، والمروزي، وابن حبان البَسْتي، والترمذي، والنسائي، والبخاري، وقتيبة بن مسلم، ومحمود الغزنوي، وفخر الرازي، وإمام الحرمين الجويني، والبيروني، والبدخشي، والفارابي، وابن سينا، والجرجاني، والوليد الباجي، وغيرهم من أعلام الأمة.

وقد ذكر العلماء من التابعين وغيرهم أن «خراسان سوطُ الله تعالى؛ إذا غضب على قومٍ ضربهم بها»، إشارةً إلى بأس أهلها وغيرتهم.

كما اعترف الطواغيت العالميون أن أفغانستان هي مقبرتهم، وتكرّر ذلك على ألسنة بايدن وترامب وغيرهما، وفي أوساط العلماء العرب تُعرف أفغانستان بـ«مقبرة الكفار». وفي أقل من قرنٍ واحدٍ قُطعت رؤوسُ ثلاثةِ تنّـيـناتٍ استعمارية كبرى في هذه الأرض، وغرقت جيوشهم بدمائهم.

ومن أولئك الغزاة السوفيات، الذين اقتحموا أفغانستان، وبعد سنواتٍ من المقاومة والجهاد خرجوا منها يوم ٢٦ من شهر جَدي بخزيٍ وعارٍ، مطأطئي الرؤوس، يجرّون ذيولَ الهزيمة المذلة. وها نحن نعيش الذكرى السابعة والثلاثين لذلك اليوم المجيد.

Exit mobile version