يروي الشيخ أبو عبد الله عن العلامة أبي عصمة، عن حماد بن أبي حنيفة رحمهما الله، قال:
> «لما بلغ الخوارج أن أبا حنيفة لا يُكَفِّر أحدًا بذنب، أتاه أربعون رجلاً ـ وقيل: سبعون ـ يحملون السلاح، حتى دخلوا الكوفة، وجاؤوا إليه وهو في مجلسٍ حافل بالناس.»
فلما وصلوا إليه قالوا:
> يا أبا حنيفة، مُرْ هؤلاء أن ينصرفوا، فإن لنا معك مسألة.
فأشار الإمام أبو حنيفة إلى الحاضرين فانصرفوا، وبقي وحده. عندئذٍ استلَّ الخوارج سيوفهم وقالوا:
> يا عدوَّ هذه الأمة!
يا شيطان هذه الأمة!
إن قتلك أحبُّ إلينا من جهاد سبعين سنة.
أجب عن مسألتين، وإلا فتهيأ للقتل.
فقال لهم الإمام أبو حنيفة رحمه الله:
> أغمِدوا سيوفكم.
فقالوا:
> كيف نغمدها وقد عزمنا أن نُخضِّبها بدمك؟
فقال:
> تكلموا باسم الله.
فقالوا:
> على باب المسجد جنازتان:
الأولى لرجل شرب الخمر، فلما حضرته الوفاة مات على تلك الحال.
والثانية لامرأة زنت، فلما علمت أنها حملت شربت دواءً فقتلت نفسها.
أهما من المؤمنين؟
فقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله:
> أكانا من اليهود؟
قالوا: لا.
قال:
> أكانا من المجوس؟
قالوا: لا.
قال:
> فمن أي ملة كانا؟
قالوا:
> كانا يشهدان أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤمنان بما جاء به.
فقال:
> أخبروني، أهذا الذي ذكرتُموه من الإيمان؟
قالوا:
> نعم.
فقال:
> أهو ثلث الإيمان، أم ربعه، أم نصفه؟
قالوا:
> بل هو الإيمان كله، فالإيمان لا يتجزأ.
فقال الإمام:
> فلماذا تسألونني عن قوم شهدتم أنكم بأنفسكم أنهم تكلموا بالإيمان كله؟
فقالوا:
> أخبرنا إذن، أهما من أهل الجنة أم من أهل النار؟
فقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله:
> أقول كما قال إبراهيم عليه السلام:
﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
(إبراهيم: 36).
والمقصود هنا من عصى الله من المؤمنين، لا من مات على الكفر؛ لأن الله تعالى لا يغفر الكفر لمن مات عليه، وإنما يُفوَّض أمر المؤمن العاصي إلى مشيئة الله ورحمته.
ثم قال:
> وأقول كما قال عيسى عليه السلام:
﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
(المائدة: 118).
أي إن من مات على الإيمان مع ارتكابه للذنوب، فأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه بعدله، وإن شاء غفر له برحمته.
فلما سمع الخوارج هذا الجواب، ألقوا أسلحتهم وقالوا:
> نتوب إلى الله تعالى من كل ما كنا عليه، وندين بما تدين به؛ فقد آتاك الله حكمةً وعلمًا وعقلًا وفضلًا.



















































