أيها الإخوة المسلمون المحترمون والأعزاء!
لقد تعاقب على العالم قادة وزعماء كثر، وكل قائد قطع عهودا ومواثيق بالوفاء لنهجه ونضاله، غير أن الذين أثبتوا وفاءهم في ميدان العمل والتطبيق قلة قليلة. إن الإيمان الراسخ، والعقيدة الحقة، وجذوة التضحية، هي التي تدفع الإنسان لتقديم تضحيات لا نظير لها. فحينما أوحي إلى إبراهيم عليه السلام في المنام أن يذبح ولده العزيز قربانا لله جل جلاله، أخذ إبراهيم عليه السلام السكين دون أدنى شك أو تردد، وشرع في تنفيذ تضحية ولده عملاً، إلا أن الله جل جلاله أنقذ ولده. ومنذ ذلك الحين، ما زالت السنة الإبراهيمية حية بيننا؛ أي إن تضحية إبراهيم عليه السلام كانت مكرمة عند الله جل جلاله بحيث أبقى ذكرها خالدا إلى يوم القيامة.
واليوم، وعلى الرغم من أنه زمن الفتن، وإعراض الناس عن الدين وتكالبهم على الماديات، وبلوغ الأمر ببعضهم إلى رؤية وعود الإسلام بعيدة المنال، إلا أنه ولله الحمد لا يزال ثمة رجال يضحون بأبنائهم في سبيل الدين على خطى إبراهيم عليه السلام، ويحيون ذكراه المباركة؛ ومن جملة هؤلاء الأفراد، زعيم الإمارة الإسلامية، سماحة أمير المؤمنين الشيخ هبة الله آخند زاده حفظه الله.
ملحمة التضحية وصوت الاستشهاد:
لقد كان عبد الرحمن خالد، نجل الشيخ هبة الله آخند زاده حفظه الله، فلذة كبد سماحة الشيخ التي نبذت الحياة المادية الدنيا وفرصها الذهبية في أوج عنفوان الشباب؛ ليقدم نفسه قربانا في مديرية “كرشك” بمحافظة هلمند، بوصفه فدائيا مخلصا في ركب الاستشهاديين، ومن أجل دك الخطوط الدفاعية للكفر. لقد غدت هذه الواقعة في قلب التاريخ المعاصر تصديقا فريدا لنهج الحق.
وفي الوقت الذي كان يجلس فيه سماحة الشيخ على مسند الزعامة قائدا للإمارة الإسلامية وأميرا للمؤمنين، فإنه –وعلى النقيض من الحكام الماديين والدنيويين– لم يخبئ ولده في غرف الترف والملذات؛ بل سار على خطى إبراهيم خليل الله، وقدم ولده الأقرب إلى قلبه للتضحية من أجل تمكين الدين الإلهي ودحر الاحتلال الأمريكي، ليكون ذلك منبع إلهام لصفوف الإيثار الإبراهيمي.
لقد عاين المجاهدون بأعينهم أن قول قائدِهم وعملَه سِواء، وأن أفراد عائلته يُضحّون بأنفسهم في الخطوط الأمامية للجهاد تماما كأبناء عامة الشعب. وكان هذا الإخلاص هو السبيل لاستدرار نصر الله جل جلاله، والذي تُوِّج في نهاية المطاف ببسط الراية المحمدية البيضاء سيادتها على أفغانستان.
من مسند العلم إلى خندق الجهاد: فيض العلم والتقوى
إن ركب سماحة أمير المؤمنين حفظه الله، قائم على ركيزة التقوى. فمنذ جهاده الأول ضد السوفييت، وصولاً إلى توليه رئاسة المحاكم العسكرية في ننجرهار وكابل إبان عهد المغفور له أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد رحمه الله، ظل سماحة الشيخ نموذجا يُحتذى به في تطبيق الشريعة وأحكام الحق. وإن حياته العلمية، وتدريسه للحديث النبوي الشريف (الصحاح الستة) لسنوات طوال، وتدريبه لآلاف العلماء الأجلاء، لَيُوضِح بجلاء أن ما يقف وراء قراراته وأحكامه ليس مجرد مصالح وقتية، بل هو بحر الفقه العميق والاتباع التام للسنة النبوية.
إنه فقيه تقي لا يعرف المداهنة أو المساومة بمقدار شعرة أمام أحكام الله تعالى، وكان هذا الثبات العلمي والعقائدي الفذ هو السبب وراء بقاء صفوف الإمارة راسخة كالجبال في وجه قوة عالمية لا مثيل لها على مدار عشرين عاما.
معجزة الفتح وإحياء السنة النبوية في العفو العام
عندما انتهى الاحتلال الجائر الذي دام عشرين عاماً بنصر من الله جل جلاله، وتبددت الظلمات بنور الفتح الأبيض الذي عمّ البلاد بأسرها بما فيها كابل في السادس من محرم الحرام لعام 1443 هـ، كان العالم يتوقع سفك الدماء بشكل واسع وانتقاما عارما. وقد بذلت الشبكات الدعائية للغرب وعملائه قصارى جهدها لبث الرعب، زاعمة أن مجاهدي الإمارة الإسلامية سيثأرون لشهدائهم. بيد أن الموقف هنا تجلى بمشهد جسد إيمان سماحة أمير المؤمنين حفظه الله، مستلهما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح مكة.
لقد أعلن سماحة أمير المؤمنين انطلاقا من رؤيته الفذة وبصيرته الشرعية العفو العام، ذلك المرسوم الذي غفر بجملة واحدة لجميع أعداء الحقبة الماضية التي دامت عشرين عاما، ومعارضيها، وأولئك الذين وقفوا في صف الاحتلال. لقد كانت هذه الخطوة الجريئة والتاريخية الركيزة الأساسية لإنهاء ثقافة الانتقام وبسط الاستقرار الشامل في أرجاء البلاد. وبيّن هذا النهج النبوي في العفو العام للعالم أجمع أن الإمارة الإسلامية لم تأتِ لسفك الدماء، بل جاءت لتأليف القلوب، وإرساء أجواء الأخوة، وإقامة نظام شرعي وعادل. وبفضل هذا الصنيع، صينت دماء وأموال آلاف الأفغان، ووُقيت البلاد ويلات الحروب الأهلية.
قيادة سُطرت بأحرف من ذهب ما بعد الفتح:
عقب الفتح، وتحت القيادة الحكيمة لسماحة أمير المؤمنين حفظه الله، استتبّ في تاريخ أفغانستان أمن شامل لا مثيل له؛ حيث قوّضت عروش كافة جزر القوة وبؤر الفساد من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها. وأدى المركزية المطلقة للسلطة والامتثال التام لأوامر القيادة إلى إرساء الأمن والاستقرار عبر إنفاذ سلطة الأمر الواحد في عموم البلاد. كما أفرز النهج العملي الحذر، الرصين، والمخلص لسماحة الشيخ تقدما ملحوظا تشهده البلاد اليوم في مضمار إعادة الإعمار الاقتصادي، وإطلاق المشاريع التنموية الكبرى، والقضاء المبرم على الفساد المالي.
إن ما نعيشه اليوم من أمن واستقرار إنما هو ثمرة الدماء المباركة للشهداء والاستشهاديين، ونتيجة ذلك الاستمساك الشرعي الراسخ لسماحة أمير المؤمنين حفظه الله، الذي أَبى الاستسلام أمام الضغوط الاقتصادية والسياسية للكفر العالمي، ونفّذ أحكام الشريعة وقوانين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإعادة البناء الفكري للمجتمع، ولم يُقدِّم يوما المصلحة أو التعامل مع الكفر على حساب أحكام الشريعة الغرّاء.
وختاما، يمكن القول إن استقرار الإمارة الإسلامية وانتصار هذا النظام المقدس هو نتاج الدماء الزاكية للشهداء والاستشهاديين، والآلام التي كابدها المجاهدون والأسرى، ودعوات الأرامل واليتامى، ومؤازرة وتضحيات عامة الشعب، والإيثار الإبراهيمي لسماحة أمير المؤمنين حفظه الله، الذي جعل نفسه وعائلته أول قربان يُقدَّم في سبيل الله تعالى. وإن واجبنا ومسؤوليتنا جميعا تقتضي أن نقف خلف هذه الحاكمية الشرعية سدا منيعا كالجدار الفولاذي، وأن نمتثل لأوامر القيادة برحابة صدر، وأن نسخر كافة طاقاتنا لتوحيد الصفوف. فهذا النظام المكتوب بمداد الدماء هو الأمانة الكبرى للمؤمنين والمجاهدين، وحفظه فرض علينا.
َبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّکَ أَنْتَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ، وَاحْفَظْ أَمِیرَنَا وَأَیِّدْ نِظَامَنَا الإِسْلَامِیَّ بِقُوَّتِکَ وَنَصْرِکَ العَظِیم. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِینَ




















































