الجزء الثاني: من هم الخوارج؟
كان الخوارج أول جماعة هدّدت وحدة الأمة الإسلامية بشدة في صدر الإسلام؛ فقد أدخلوا الأمة في أزمة دامية عبر التكفير، والعنف، والخروج على الإمام العادل.
يجب أن نقدّم قبل الدخول في صلب الموضوع تعريفاً موجزاً بهذه الفرقة الضالة، حتى يتبيّن بدقة العنوان الذي اخترناه لهذا المقال؛ إذ من اللازم أن يطّلع الشباب وعامة المسلمين على هذه الجماعات السفيهة، وأن يحذروا منها، حتى لا يقع في الضلال أبناء الأمة الإسلامية، وغيرهم، بسبب جهلهم بهذه الطائفة الضالة، التي وُجدت منذ عصر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وستظل موجودة إلى آخر الزمان، حيث يخرج آخر أفرادها – حسبما صرّح به النص – مع الدجال.
وقد كتب العلامة ابن تيمية رحمه الله في كتابه: «لمّا انتشر أمر الخوارج في الأمة، أخذ الصحابة رضي الله عنهم يتحدثون عنهم، ويروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ورد فيهم من الأحاديث، ويذكرون ما دلّ عليه القرآن الكريم من الرد عليهم، حتى انتشر بين عامة الناس أن عقائدهم بدعة». لذلك يلزم على كل مسلم أن يتحصّل على معرفة بهذه الجماعة التكفيرية المتطرفة، أعني الخوارج.
وقال الإمام النووي رحمه الله: «وسُمّوا خوارج لخروجهم عن الجماعة، وقيل: لخروجهم عن طريقة الجماعة».
ولما كان الخوارج – بحسب فهمهم واستنباطهم الخاطئ – يخرجون ويتمردون في كل عصر بعقيدة خاصة، وقد اتصفوا بعلامات وصفات معيّنة عرّفهم بها نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، فقد رأيت من الواجب أن أشرح هذه الأحاديث وأوضحها إلى حدٍّ ما، عسى أن يكون ذلك سبباً في التعرّف على هذه الفرقة الضالة.
ووفق القول الراجح، فإن أول أفراد هذه الجماعة خرج على أفضل البشر، حامل لواء العدالة والهداية على وجه الأرض، وهو محمد صلى الله عليه وسلم؛ وذلك حين فتح هذا الخارجي الوقح – وهو ذو الخويصرة – لسانه على النبي الكريم.
وبعد حياة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، كان خوارج «الحرورية» أول من خرج من أهل الأهواء والبدع عن أهل السنة والجماعة، في وقتٍ كان فيه ما يزال بعض الخلفاء الراشدين والمهاجرين والأنصار أحياء، وكانوا سبباً في زعزعة وحدة الأمة الإسلامية وتماسكها.
أما أول تجمّع رسمي للخوارج فقد حدث بعد فتنة استشهاد الخليفة عثمان رضي الله عنه، وبعد مشاركتهم في معركتَي الجمل وصفّين، وتعاونهم مع فرقة «السبائية» بقيادة عبد الله بن سبأ اليهودي المنافق؛ ذلك أنهم بعد أن عرض المسلمون الصلح واتحدوا، خرجوا وجمعوا شملهم في منطقة «حروراء».
وإنما يقع خروجهم دائماً في أوقات «فرقة الناس» – أي الاختلاف والاقتتال بين المسلمين – وهم يسعون على الدوام إلى إشعال الفرقة بين المسلمين. وقد ظل الخوارج على مدار التاريخ يسعون إلى إضعاف الإسلام من الداخل، وتشتيت الصف الواحد للمسلمين، محاولين النيل من خيرة الأمة ومدافعي الشريعة الغرّاء المحمدية، ليتسنى لأعداء الإسلام بلوغ أهدافهم الخبيثة.
ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن التعرف على الخوارج يجب أن يستند إلى مجموعة الصفات الواردة في القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة، وألّا يُطلَق هذا الوصف على أي شخص أو جماعة لمجرد وجود خلاف فكري أو سياسي، دون دليل وبحث.
إذن، فالمعرفة التاريخية بالخوارج تمثل مدخلاً لفهم الأحاديث الواردة في شأنهم. وفي الأجزاء القادمة، سيُستعرَض كلٌّ من أهم علاماتهم على حدة، مثل: الغلو في الدين، والإكثار من العبادة مع سوء الفهم، وتكفير المسلمين، وفهم القرآن فهماً سطحيّاً، والحدّة في الطبع، والخروج عن الاعتدال.




















































