خلافة بلا إسلام! الجزء الخامس

خلیل

داعش وتحويل الفقه بأداة القوة

عند دراسة الأحكام الفقهية لتنظيم داعش وتأويلاته الدينية المتطرفة وتحليلها، يتبيّن لنا أننا لا نواجه منظومة فقهية نابعة من اجتهاد علمي معتبر أو فهم ديني طبيعي. والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: ما الهدف النهائي من هذه الفقه المزيّفة، ومن صناعة الأحكام والتأويلات المتطرفة للدين؟
إن الجواب لا ينبغي البحث عنه في القرآن الكريم ولا في سنة رسول الله ﷺ ولا في سيرة الخلفاء والأئمة المجتهدين، بل يجب العثور عليه في منطق داعش القائم على طلب السلطة والسعي إلى الهيمنة.

ما كان داعش يسمّيه «فقهًا» في مرحلة صعوده لم يكن في الحقيقة سوى مجموعة من القواعد المزوّرة والمحرّفة، صيغت لخدمة هدف واحد: إقامة سلطة جماعة بعينها باسم «الخلافة»، ثم الحفاظ عليها وتوسيعها. فهذه الفقه المزيّفة لم تكن طريقًا لفهم الدين، بل أداة لإيديولوجيا السلطة. ويمكن تحليل هذا الفقه المحرّف عبر ثلاث مراحل مترابطة:

المرحلة الأولى:
احتاج تنظيم داعش إلى إضفاء الشرعية – بل والقداسة – على عنفه غير المحدود من خلال تحريف الدين والفقه. ولتحقيق ذلك، أعاد تعريف مفهوم «الجهاد» بصورة ألغت كل الفواصل بين العسكري والمدني، وبين الدفاع والهجوم، بل وحتى بين المسلم وغير المسلم.

وفي هذا الإطار، سُمّيت عمليات القتل «قصاصًا»، واعتُبرت الأعمال الإرهابية «تنفيذًا للحدود»، ووصِف احتلال المدن بأنه «فتح إسلامي». هذا التعريف الجديد منح المنضمّين دافعًا عقائديًا وعاطفيًا، وألبس الجريمة ثوب العبادة، وفي الوقت نفسه وجّه رسالة إلى العالم الخارجي مفادها أن هذه الجماعة لا تعرف الحوار أو المصالحة، ولا تؤمن إلا بلغة العنف.

المرحلة الثانية:
من أجل البقاء والاستمرار، كان لا بدّ لداعش من تشكيل مجتمع مطيع أحادي الصوت. وكانت الأداة الأهم لتحقيق هذا الهدف هي التكفير الواسع. فقد ادّعى التنظيم أن أفراده وحدهم هم المسلمون الحقيقيون، وأن سائر الناس – من شيعة وسنّة مخالفين، وصوفيين، بل وحتى غير المسلمين – يقفون في صف الكفر. وبهذا رسم حدًّا هويّاتيًا صارمًا ودمويًا بين «نحن» و«هم».

وفق هذا التصوّر، وقع أتباع داعش في حصار ذهني كامل؛ عالمٌ الجميع فيه أعداء، ولا سبيل للنجاة إلا بالطاعة المطلقة لقيادة التنظيم. ونتيجة لذلك تلاشت الهويات السابقة للفرد، كالوطنية والقومية، بل وحتى أشكال التدين العائلي التقليدي، لتحلّ محلها ولاءات فرَقية عمياء تُعدّ أعلى الفضائل. وأي تساؤل أو نقد كان يُصنَّف خيانة.

المرحلة الثالثة:
عندما بسط داعش سيطرته على مناطق محددة، احتاج إلى آلية لإدارة تلك الأراضي. ففرض أحكامًا قاسية على النساء، وعقوبات جماعية، وأنظمة مالية تعسفية، وقوانين أمنية صارمة، بهدف إنشاء نظام حكم بوليسي–عسكري.

تميّزت هذه القوانين بعدة خصائص أساسية:
أولًا: انعدام أي مرونة أو قابلية للتأويل، مع حصر سلطة التفسير الكامل بيد القادة العسكريين.
ثانيًا: إخضاع جميع تفاصيل حياة الناس للرقابة والسيطرة.
ثالثًا: تنفيذ العقوبات القاسية – كالإعدامات العلنية، والجلد، وبتر الأعضاء – بهدف نشر الرعب العام ومنع أي اعتراض أو عصيان. وهنا لم تُستخدم الفقه والقانون لتحقيق العدالة، بل لتثبيت السلطة عبر التخويف.

وخلاصة القول إن «فقه» داعش، رغم ادعائه العودة إلى السلف الصالح، كان في جوهره ظاهرة حديثة سياسية. فهو مزيج خطير من التطرف التكفيري، والتنظيم العصري، والاستبداد العنيف. والمنطق الحاكم له لم يكن منطق التدين أو الاستنباط الشرعي، بل منطق بقاء تنظيم معيّن وتوسّعه. وحتى ممارسات كاستعباد النساء جنسيًا أو تدمير الآثار التاريخية، لم تنبع من النص الديني، بل من الحاجات النفسية والسياسية للتنظيم.

وعليه، فإن مواجهة داعش والتيارات المشابهة لا يمكن أن تكون عسكرية فقط. بل يجب أن تكون مزدوجة:
من جهة، مواجهة أمنية لتفكيك بنيتها المادية،
ومن جهة أخرى، مواجهة فكرية ومعرفية لكشف طبيعتها العنيفة السلطوية.

وتتحقق الهزيمة الحقيقية لهذه التيارات عندما تُستعاد مفاهيم مثل الجهاد، والخلافة، والشريعة، والأمة من أيدي المحرّفين، ويُرفض هذا الخطاب العنيف صراحة في وعي وضمير المسلمين، ويُدان بلا مواربة.

Exit mobile version