في التاريخ المعاصر، شهدت أفغانستان حربًا طويلة ومعقّدة، لم تكن جذورها محصورة في الإطار الإقليمي فحسب، بل كانت نتيجة تداخلات واستراتيجيات خفية وعلنية للقوى الدولية. وفي خضم هذه اللعبة، لعب النظام العسكري الباكستاني (الجيش والاستخبارات) دورًا أقرب إلى قوةٍ بالوكالة، إذ جاءت تحركاته – بدعم مالي وتوجيه مباشر من الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة – لتشكّل أحد أبرز التحديات أمام استقرار أفغانستان ووحدتها الترابية وسيادتها الوطنية، فضلًا عن تأثيرها المباشر على الشعب الأفغاني.
لقد نشأ هذا النظام العسكري، منذ بداياته، على إرث الاستعمار البريطاني، حيث تخرّج ضباطه من الأكاديميات العسكرية الغربية، وتكوّن وعيهم على تنفيذ السياسات الخارجية الأمريكية بدلًا من خدمة المصالح الوطنية لبلادهم.
ومنذ عهد الجنرال ضياء الحق مرورًا بالجنرال برويز مشرف وصولًا إلى القيادات العسكرية الحالية، ظلّ قادة هذا النظام – بوصفهم حلفاء لواشنطن – يقدّمون المصالح الوطنية لبلادهم قربانًا في سبيل تنفيذ المشاريع الاستخباراتية الأمريكية. وقد تعاونوا مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في إعداد وتنفيذ خطط ألحقت الأذى بالمسلمين، وكانوا، طوال العقود الأربعة الماضية، من أبرز المنفذين الموثوقين للاستراتيجيات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) في المنطقة، مقابل تلقيهم مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية.
كما ظلّ هذا النظام يطمح إلى التدخل في الشؤون الداخلية لأفغانستان، والسعي لإقامة سلطة في كابل تدور في فلك إسلام آباد، مستندًا إلى ما يُعرف بنظرية “العمق الاستراتيجي”، التي تهدف إلى جعل أفغانستان منطقة نفوذ في مواجهة الهند والغرب. غير أن هذه الطموحات، القائمة على فرض الوصاية غير المباشرة، اصطدمت بإرادة الشعب الأفغاني ووحدته، ولن يُكتب لها التحقق.
وعندما دخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان أواخر عام 1979، وضعت الولايات المتحدة، بالتعاون مع باكستان، أسس حربٍ بالوكالة، حيث تولّت الاستخبارات العسكرية الباكستانية (ISI) مهمة تدريب المجاهدين، وتوزيع السلاح، وإدارة الفصائل. ورغم أن باكستان بدت في تلك المرحلة داعمة للمقاومة، إلا أنها في الواقع أسهمت في خلق الانقسامات بين تلك الفصائل، ما مهد لاحقًا لاندلاع الحرب الأهلية.
وفي أعقاب الهجوم الأمريكي على أفغانستان عام 2001، فتح النظام العسكري الباكستاني أراضيه ومجاله الجوي وقدّم معلوماته الاستخباراتية لخدمة الخطط الغربية. غير أنه، وبعد انسحاب القوات الأجنبية عام 2021، عاد هذا النظام – بدعم من الغرب – لمحاولة تعويض إخفاقاته، عبر فتح جبهات خفية وعلنية جديدة تهدف إلى زعزعة الاستقرار في أفغانستان.
تمثلت أولى هذه المحاولات في الضغط الاقتصادي، حيث أُغلقت المعابر الحدودية مثل تورخم وسبين بولدك لفترات طويلة دون مبررات واضحة، وفُرضت قيود غير مسبوقة على حركة التجارة، إلى جانب إنشاء حواجز جمركية أعاقت المنتجات الأفغانية.
أما المحاولة الثانية فكانت عبر الضغوط السياسية والعسكرية، إذ أعادت الاستخبارات الباكستانية استدعاء شخصيات معارضة وجماعات مسلحة سبق أن دعمتها، وأنشأت مراكز خفية لزعزعة النظام الجديد، على غرار ما حدث في تسعينيات القرن الماضي.
بينما تمثلت أخطر هذه المحاولات في توظيف الجماعات المتطرفة، حيث وفّر النظام العسكري الباكستاني ملاذًا وتمويلًا وتدريبًا لتنظيم “داعش – خراسان” وغيره من الجماعات المناوئة، بهدف تنفيذ عمليات تفجير واغتيالات وزعزعة الثقة بالنظام الجديد. غير أن القوات الأمنية الأفغانية، التي تعمل اليوم تحت قيادة مركزية موحّدة، نجحت في تنفيذ عمليات حاسمة دمّرت معاقل هذه الجماعات.
وفي الختام، يبدو أن النظام العسكري الباكستاني بات يدرك أن أفغانستان اليوم تختلف عن الماضي؛ فهي لم تعد ساحة للاحتلال أو الحروب بالوكالة، بل أصبحت دولة ذات نظام إسلامي مستقل، نتاج تضحيات وصبر الشعب الأفغاني. وقد تم، بفضل الله ثم بدعم هذا الشعب، إحباط مختلف المخططات في مهدها، وترسيخ دعائم الأمن والاستقرار والسيادة الوطنية تحت قيادة موحّدة.
كما أعلنت أفغانستان رفضها القاطع لأي محاولة لإحياء الحروب بالوكالة، مؤكدة أن أراضيها لن تكون ساحة لتنفيذ أي أجندات خارجية، وأن سياستها الخارجية تقوم على التفاعل الإيجابي، دون التفريط بسيادتها أو قيمها الإسلامية.
