من وراء اغتيال العلماء؟

عباس

التاريخ شهد الكثير من الجيوش التي أُنشئت لحماية الأوطان، لكنها مع مرور الزمن غرقت في شهوة السلطة والمال والأجندات الأجنبية، حتى وقفت ضد أرضها وشعبها وقيمها. ويُعد النظام العسكري الباكستاني أوضح مثال على هذه المأساة؛ فهو نظام خرج من رحم الإرث الفكري للاستعمار، وتغذى على الفلسفة الأمنية البريطانية، وتربى ليكون حارسا للمصالح الاستراتيجية الغربية.

تقسيم الجغرافيا لم يكن أخطر ما فعله الاستعمار البريطاني فحسب، بل كان احتلال العقول. فقد أدرك الاستعمار أنه إذا استطاع فصل فكر الأمة المسلمة ومؤسساتها العسكرية والأمنية عن عقيدتها وكرامتها وهويتها الإسلامية، فإن المسلمين سيصبحون ضحايا بأيدي أبنائهم. ومن هنا وُضعت مناهج عسكرية ما أمكن التخلي عن الوطن والدين والأمة والقيم بذريعة السلطة ومصلحة الدولة

تربى الجنرالات الباكستانيون في ظل هذه الفلسفة نفسها. ولُقنوا أن السلطة تعلو فوق كل شيء، وأن بقاءها يبرر كل شيء؛ سواء كان ذلك على حساب دماء شعبهم، أو حرمة المسجد، أو كرامة العلماء، أو حتى اسم الإسلام نفسه. ولهذا السبب، كلما فاحت رائحة الدولارات في التاريخ السياسي لباكستان تبدلت مواقف العسكر، وكلما طُرحت مصالح الغرب كانت المساومة على الإسلام والمسلمين هي الثمن.

تارة استغلوا طلاب المدارس الدينية لتحقيق ما يُعرف العمق الاستراتيجي، وتارة أخرى جعلوا أولئك أنفسهم قرابين لمشروع الإرهاب ضد العالم. وهذه الازدواجية ليست مجرد نفاق سياسي، بل هي ثمرة منهج فكري لا يعرف ضميرا ولا عقيدة ولا حدودا أخلاقية.

وكان المسجد الأحمر أكثر فصول هذه السياسة ازدواجية ودموية. ففي ذلك اليوم لم تُهدم مدرسة دينية فحسب، بل انكشف أيضا الوجه الحقيقي للجيش الباكستاني. ذلك الجيش الذي يزعم أنه حامي الإسلام، أدخل دباباته إلى مسجد في قلب إسلام آباد، فأُحرقت المصاحف، واستشهدت طالبات المدرسة، وتمزقت قلوب الأمة، بينما لم يكن كل ذلك بالنسبة للمؤسسة العسكرية سوى ثمن يُدفع في سبيل الدولارات والرضا الدولي والدعم الأمريكي.

ومنذ ذلك الحين تسارعت سلسلة الاغتيالات التي طالت العلماء والدعاة. فمن الشهيد الشيخ حسن جان رحمه الله إلى مولانا سميع الحق، والشيخ نصيب خان وغيرهم من العلماء البارزين، تتكرر صورة غريبة تكاد تكون واحدة؛ يُشوَّه العلماء أولا، ثم يُفرض عليهم الضغط، ويُعزلون، وبعد ذلك يُغتالون على أيدي مسلحين مجهولين.

لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا يكون العلماء دائما هم الهدف؟ ولماذا لا تُستهدف أبدا مراكز القوة الحقيقية؟ ولماذا تتشابه أساليب هذه الاغتيالات وتوقيتها ونتائجها إلى هذا الحد؟

وهنا تبرز مسألة مشروع داعش بوصفها سؤالا يفرض نفسه. فداعش ليست مجرد جماعة مسلحة، بل تحولت إلى أداة للفوضى الفكرية والأمنية في المنطقة. وكلما برزت الحاجة إلى تشويه الإسلام أو الجهاد أو الخلافة أو الحركات الإسلامية، ظهر اسم داعش فجأة على الساحة. والمثير للغرابة أن ضحايا هذه الهجمات غالبا ما يكونون من العلماء والداعمين للجهاد والشخصيات الإسلامية، لا تلك القوى التي تقصف الشعوب المسلمة أو الحلفاء المباشرين للغرب.

وتبدو حادثة الشيخ إدريس رحمه الله الأخيرة حلقة أخرى في هذه السلسلة الطويلة. فالرسائل الصوتية التي نُشرت قبل استشهاده كانت تحمل بوضوح آثار الضغط والخوف والملاحقة الاستخباراتية. ويبدو أنه كان يعيش تحت ضغوط شديدة، الأمر الذي يعزز احتمال أن إسكات صوته كان محاولة لإخفاء لغز كبير؛ لأن العالم حين يقول كلمة الحق، أو يخالف رواية المؤسسة العسكرية، أو يسعى إلى إيقاظ وعي الناس، يصبح وجوده خطرا على الأنظمة الاستبدادية

يواجه النظام العسكري الباكستاني اليوم أزمة داخلية عميقة، فقد أنهك الشعب من عدم الاستقرار والانهيار الاقتصادي والظلم والسياسات المزدوجة. وحين يشن الجيش هجماته على الأراضي الأفغانية مستهدفا المدارس الدينية والمساجد والمستشفيات والمدارس، يتساءل الناس: إذا كانت هذه حقا حربا على الإرهاب، فلماذا يكون ضحاياها دائما من المدنيين والمراكز الدينية؟ لماذا يُحرق القرآن؟ ولماذا تُهدم المساجد؟ ولماذا تُقصف المستشفيات؟

كل ذلك يكشف الوجه الحقيقي للمؤسسة العسكرية؛ فالنظام الذي يتجاوز كل الحدود حفاظا على بقائه في السلطة، لا يحق له أن يتحدث باسم الإنسانية أو الإسلام أو الأخلاق. ولهذا السبب تحطم اليوم في وعي الشعب الباكستاني صنم قداسة الجيش، وأصبح الناس يدركون ما هي اللعبة التي تُدار تحت شعار الأمن، ومن الذي يجني الأرباح من التجارة بدماء البشتون.

يشهد التاريخ أن الجيوش التي تتحول من خدمة أوطانها إلى خدمة القوى الخارجية، تنتهي في الغالب إلى مواجهة كراهية شعوبها. فالقوة والدعاية والأجهزة الاستخباراتية قد تُخفي الحقائق مؤقتا، لكن ذاكرة الشعوب في النهاية تُسجّل كل شيء. فالدماء التي سُفكت في المدارس الدينية، والمصاحف التي أُحرقت، والعلماء الذين أُسكتوا بطرق غامضة، لا يمكن أن تُمحى من ذاكرة التاريخ.

اليوم، أعظم اختبار يواجهه علماء الدين والنخبة المثقفة والشعب العادي في باكستان هو أن يتحلوا بشجاعة كسر صمت الخوف. فكلما خُلِّيَ عالمٌ لوحده، أصبح عالمٌ آخر هدفًا في اليوم التالي. وكلما جُوِّزَ ظلمٌ، تعزز ظلم آخر. وكلما أُخفيت الحقيقة باسم السلطة، سقطت الأمم أعمق في هاوية الأزمة. تبقى الأمم حية ما دامت تحمي قيمها ودينها وعزَّتها وصوتها. أما إذا لم تفعل، فإن الأنظمة الاستبدادية تتَّخذ من صمت الشعب دليلاً على انتصارها. وسيحكم التاريخ مجددا من وقف إلى جانب الشعب، ومن خان شعبه في خدمة الدولارات والسلطة وأجندات الآخرين.

Exit mobile version