ما ذنب العلماء؟ الجزء الأول

سيد جمال الدين الأفغاني

انتشر مؤخرًا نبأٌ هزّ مشاعر المسلمين أجمعين. فقد اغتيل الشيخ محمد إدريس، العالم الديني الجليل من منطقة تشارسادا في خيبر بختونخوا، على يد مجهولين في وضح النهار، واستشهد في الحال.
ينتمي الشيخ محمد إدريس إلى قبيلة تورانغزاي، وكان يُدرّس الحديث في جامعة نعمانية ودار العلوم حقانية (أكورا ختك). ولا نبالغ إن قلنا إن آلاف الطلاب من شتى أنحاء آسيا كانوا يتخرجون على يديه كل عام، وكانت له مكانة مرموقة في تدريس الحديث.
كان رجلاً لطيفاً للغاية، وله علاقات واسعة. كان صهر الشهيد الشيخ حسن جان، وحفيد المفتي شهزاد الجليل من دار العلوم ديوبند، وكان والده أيضاً عالماً دينياً مرموقاً. إضافةً إلى كل هذه القرابات، كان هو نفسه شخصيةً بارزةً في المجتمع.
في خيبر بختونخوا، كان يُعتبر رمزًا للجودة والمكانة العلمية الرفيعة. كانت أحاديثه وكتاباته وخطاباته بمثابة شهادة على ذلك. بل وأكثر من ذلك، كان شخصًا متفانيًا. يُقال إنه منذ ولادته وحتى وفاته، لم تكن لديه أي مصلحة شخصية. وقد تجلى ذلك في جنازته، حيث انهمرت دموع الناس من جميع فئات المجتمع. والسبب في ذلك هو أن حياته كانت مليئة بالحب والرحمة وحسن النية، ولم يكن للكراهية مكان في قلبه. كتب أحد المريدين أن الشيخ لم يتحدث بفظاظة مع أحد طوال حياته. حتى أولئك الذين أهانوه، كان يرد عليهم بالحب. ومع ذلك، فقد استشهد. والآن يطرح السؤال نفسه: لماذا وصل الأمر في النهاية إلى حد القتل؟
لكنّ من يُلمّ بتاريخ باكستان وفكرها وسياساتها، أو حتى من لديه اطلاعٌ سطحيٌّ عليها، يُدرك تمامًا العوامل الكامنة وراء استشهاد الشيخ محمد إدريس المفجع واغتياله الغامض.
منذ تأسيس باكستان وحتى اليوم، اغتيل كبار علماء البلاد وقادتها الوطنيون وشخصياتها السياسية، بل وحتى من شغلوا مناصب مهمة في الدولة مرارًا، بوحشية بالغة. ليس هذا محض صدفة، بل هو نتاج خطة مُحكمة.
على سبيل المثال، اغتيل الشيخ محمد يوسف اللودهيانوي، العالم الديني في كراتشي، رمياً بالرصاص بطريقة وحشية. وبعد فترة، أُلقي القبض على القتلة، ولكن عند بدء التحقيق، أُطلق سراحهم دون أي قرار قضائي. وقد احتج علماء باكستان بشدة، وأرسلوا رسائل اعتراض إلى الحكومة، وأدانوا بشدة هذا الإجراء، وطالبوا بمعاقبة القتلة، لكن لم تُعقد أي جلسة استماع.
على النقيض من ذلك، بدأ القاتل نفسه لاحقًا بتهديد العلماء، وقال جهرًا: “هل تعرفون من نحن، ومن تربطنا بهم صلة قرابة؟” ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم، لم يوقفه أحد. ومؤخرًا، روى كاتب عمود معروف في صحيفة “جانغ” اليومية حادثة مروعة تتعلق برئيس حزب سياسي وديني كبير في باكستان، حيث قُتل ضابط شرطة بالرصاص في منطقتنا. وعندما أُلقي القبض على القاتل، سارعت مؤسسات الدولة إلى إطلاق سراحه قائلة: “هذا منا “.
ليست هذه حادثة أو اثنتين فحسب، بل مئات الحوادث المماثلة التي يُعلن أن مرتكبيها “مجهولون”، وربما سيبقون كذلك حتى يوم القيامة، لوجود دوافع خبيثة وراءها. والسؤال الآن: ما هي الدوافع الخفية التي تُراق من أجلها دماء العلماء؟ ولماذا تُنتهك القيم السياسية؟ ولماذا يُستهدف القادة السياسيون؟
في هذا السياق، كانت الجماعة الدينية الأكثر استهدافًا. سواء في البنجاب أو بلوشستان أو كراتشي أو جيلجيت-بالتستان أو بختونخوا، تنتشر قصص إراقة الدماء في كل مكان. تُقتل شخصيات وطنية ودولية في وضح النهار، ولكن على الرغم من مرور عقود، لا يُعثر على الجناة. على سبيل المثال، في مركز عسكري مهم مثل راولبندي، استُشهد عالم جليل وشخصية سياسية بارزة مثل الشيخ سميع الحق حقاني طعنًا في منزله، ولكن على الرغم من مرور ثماني سنوات، لم يُعثر على أي أثر للقتلة.
يكمن السبب في ذلك في وجود أهداف خفية وراء هذه الأحداث، ولا تدركها إلا مؤسسات الدولة، وهي المحرك الحقيقي لها. وقد صرّح بعض القادة السياسيين في باكستان مرارًا وتكرارًا بأن الدولة مسؤولة عن جرائم القتل التي لم يُعرف قاتلها. فبالنسبة للدولة، حماية “روايتها” الخاصة أهم من المعرفة والدين والسياسة، وهي مستعدة لفعل أي شيء لفرض هذه الرواية.
أحيانًا تتطلب الرواية أن يكون شخص ما عائقًا في الطريق، لذا يجب إزالته. وأحيانًا أخرى، تكون هناك حاجة لتحويل انتباه الرأي العام إلى اتجاه آخر، فيتم استهداف شخص ما في أي مكان في البلاد لتشتيت الانتباه. وفي بعض الأحيان، قد يكون خطاب شخص ما مفيدًا مؤقتًا للرواية، ولكن يُخشى أن يوضح موقفه أو يناقضه لاحقًا، فيتم إبعاده أيضًا عن المسار.

غالبًا ما تتعارض رواية الدولة هذه مع القيم الإسلامية، ولهذا السبب يقدم العلماء أكبر قدر من التضحيات في هذا المسار. من مولانا حق نواز جهنجوي إلى إيثار القاسمي، سرفراز شهيد، شمس الدين، ضياء الرحمن القاسمي، حبيب الله مختار، مولانا عبد السميع، محمد بنوري، مولانا حسن جان، الشيخ نصيب خان، المفتي نظام الدين شامزاي، المفتي جميل، الشيخ صموئيل الحق، حامد الحق، الدكتور عادل خان، ثم الشيخ محمد إدريس، إذا دققنا في كل حادثة، تتضح خلفيتها.

قبل بضع سنوات، تعرض العالم الجليل المفتي محمد تقي عثماني لهجوم دموي في كراتشي. استشهد عدد من الأشخاص في هذا الهجوم، وأصيب سائقه. وفي وقت لاحق، صرّح المفتي في مقابلة صحفية أنه عندما أُطلق عليه النار، أصيب السائق برصاصة في يده وبدأ ينزف. طلبنا المساعدة من الشرطة، لكنها رفضت رفضًا قاطعًا.
تخيلوا الآن أن شخصية عالمية مرموقة كالمفتي محمد تقي العثماني تُصاب، ويحدث مثل هذا الحادث الجلل، ولا تُقدم الشرطة أي مساعدة!
والآن، لننظر إلى حادثة الشيخ محمد إدريس: وقع إطلاق نار في سوق بمدينة تشارسادا في وضح النهار، وفرّ الجناة دون أن يكترثوا. ورغم ذلك، حاولت الدولة تشتيت انتباه الناس عن القضية بدلاً من القبض على الجناة الحقيقيين. وقدّمت جهات عديدة ووجهت اتهامات مختلفة.
وبعد لحظات، أصدر تنظيم داعش بياناً أعلن فيه مسؤوليته عن هذا العمل. لكن السؤال هو: من هو داعش؟ وما هو مصدره؟ في ضوء أحداث السنوات الماضية، يزداد الشك بأن هذه البيانات تُصدر ضمن خطة مُحكمة.
بعد ذلك، حاولت بعض الدوائر المقربة من الدولة ربط هذه الحادثة بأفغانستان. لكن خلال مراسم الجنازة وقراءة الفاتحة، رفض العديد من العلماء هذا الادعاء علنًا، مؤكدين أن هذه المزاعم تُلفّق للتغطية على القتلة الحقيقيين.
شارسادا ليست قرية حدودية يمكن لأحد أن يأتي إليها من أفغانستان، ويقتل، ثم يعود أدراجه؛ فهي تبعد مئات الكيلومترات، كما تتواجد فيها الشرطة والجيش وأجهزة الاستخبارات. فكيف يُمكن قبول مثل هذا الأمر؟

عندما تعرض المفتي تقي عثماني للهجوم، أدلى بتصريحٍ للصحفي ضياء شترالي، نُشر في صحيفة “أمة” اليومية، ولا يزال متاحًا حتى اليوم. أوضح فيه جليًا أنه لم يتعرض للهجوم من قبل داعش أو أي تنظيم مسلح آخر، بل من قبل أفراد آخرين.

وبالنظر إلى هذا التصريح وسلوك الشرطة، يتضح جليًا من هم المهاجمون والفئة المستهدفة.

يستمر….

Exit mobile version