إن الأصل في الفطرة الإنسانية أن تُحلّ المشكلات والخلافات بين الناس بحسن النية. ووضع باكستان اليوم يحتاج كذلك إلى حسن النية، إلا أن النوايا داخلها أصبحت، بفعل عدد من الأشخاص الذين ينفذون أهدافًا خبيثة ومخططات خارجية، ومن يقفون على رأس السلطة، تتجه نحو توسيع دائرة انعدام الأمن لتشمل المنطقة بأسرها، لا باكستان وحدها. ذلك أن الجهات النافذة هناك، مستفيدةً من سلطتها، تنفذ مهامًا متباينة، وقد أدى تضارب هذه المهام إلى أن يتحول ما زرعوه بأيديهم إلى تهديد لهم، وأن يصبح ما حصدوه مصدرًا لأزماتهم.
إن بنية النظام العسكري الباكستاني قامت منذ نشأتها على الاعتماد على المليشيات. فعندما اشتدت الانتفاضة الجهادية للمسلمين ضد الهند، وكادت تسيطر على أكثر من نصفها، شكّل المستعمر البريطاني من مناطق مختلفة من باكستان قوة من المليشيات، ارتكبت خلال عام واحد أعمال قتل ووحشية يعجز التاريخ عن الإحاطة بها ويعجز القلم عن وصفها. ومن خلال ذلك التنظيم، الذي اعتُبر ناجحًا في حينه، تحولت تلك المليشيات لاحقًا إلى ما عُرف بالجيش. واليوم يتكرر ذلك الفكر الذي تأسس عليه هذا الكيان.
ومن اللافت أن هذه المليشيات وتنظيم داعش يُستخدمان لتحقيق أهداف لا تقتصر أضرارها على باكستان، بل تمتد إلى دول المنطقة أيضًا. والسؤال المطروح هو: هل انخرط النظام العسكري، الذي يستند إلى هذا النهج، في مواجهة وعداء مع دول المنطقة، أم أن وراء ذلك أهدافًا أخرى؟
لقد أدت حركات المقاومة المسلحة والقتال الواسعة في ثلاث ولايات باكستانية إلى وصول البلاد إلى مرحلة الأزمة، إلا أن النظام العسكري والجهات المرتبطة به، بدلًا من معالجة المطالب المشروعة لتلك الشعوب والقوميات، يسعون إلى افتعال مزيد من الفتن والاضطرابات. فمنذ عقود، تتصاعد حالة السخط الشعبي والتمرد ضد هذا النظام، لكن الجيش لجأ إلى وسائل جعلت تلك القوميات، طوال سنوات، لا تواجه النظام فحسب، بل تنخرط أيضًا في صراعات فيما بينها. كما أن الجماعات الموالية للجيش، التي تتحرك تحت شعارات المطالبة بالسلام أو الدفاع عن الحقوق، ساهمت في تعميق الانقسام بين أبناء المجتمع الباكستاني.
وفوق ذلك، أصبح تدريب عناصر تنظيم داعش وإنشاء مليشيات الفساد والإجرام إحدى الأدوات التي يعتمد عليها النظام العسكري لقمع السكان واستهداف دول المنطقة. إن دول المنطقة تتحمل مسؤولية ترسيخ الأمن وحسن الجوار فيما بينها، غير أن النظام العسكري الباكستاني اختار طريقًا معاكسًا لهذا المبدأ. فهو، كما كان في السابق، يرى أن الحفاظ على نفوذه وهيمنته يتحقق عبر نشر الفوضى والفساد، ويتجلى ذلك في تدريب تنظيم داعش، وفي الوقت الراهن من خلال دعم المليشيات والجماعات المسلحة الأخرى واستخدامها ضد حركة طالبان باكستان، والبلوش، وأفغانستان، وسائر دول المنطقة.
وينبغي لدول المنطقة أن تنظر إلى هذه المليشيات وجماعات الفساد اليوم بوصفها امتدادًا لتجربة تنظيم داعش وتكرارًا لنهجه في نشر الفوضى وانعدام الأمن. ففي وقت سابق، اعتقدت دول المنطقة أن خطر داعش يقتصر على أفغانستان وباكستان، إلا أن الهجمات الدموية التي شهدتها أو أُعدّت لها كل من طاجيكستان وروسيا وتركيا خلال العامين الماضيين أثبتت أن التنظيم يشكل تهديدًا إقليميًا.
واليوم تمثل هذه المليشيات وجماعات الفساد تهديدًا إقليميًا كذلك، لأن مخططات النظام الباكستاني والعملاء المرتبطين بجهات مختلفة داخل البلاد لا تستهدف شعبي أفغانستان وباكستان وحدهما، بل تمتد، كما في السابق، لتطال دول المنطقة بأسرها. ومن ثم، ينبغي، إلى جانب سرعة الانتباه إلى هذا الخطر المشترك، إيصال رسائل التحذير واتخاذ التدابير الوقائية تجاه الدوائر العسكرية الباكستانية لمنع إعادة إنتاج هذه الجماعات. وإذا كانت تلك الدوائر ترى أن الحفاظ على نفوذها يتحقق بإثارة الفتن والانقسامات، فعليها أن تحصر ذلك داخل حدودها، وأن تدرك وتحترم حقوق دول المنطقة.




















































