في تاريخ كل حضارة لحظات حاسمة تستيقظ فيها أمة من سبات عميق من الذل، وتكسر بأذرعها قيود الحكم الأجنبي. وكان الثامن والعشرون من أسد عام 1298 من الهجرة الشمسية بالنسبة إلى أفغانستان يوما حاسما من هذا النوع؛ ففي ذلك اليوم أشرقت شمس الحرية على قمم هندوكوش الشامخة، واختفى ظلام الاستعمار إلى الأبد من أفق هذه الأرض العريقة. ولم يكن هذا اليوم مجرد يوم لانتهاء مرحلة، بل كان بداية لهوية جديدة؛ هوية لم يعد فيها الشعب الأفغاني مسجلا في جغرافية العالم باسم «مستعمرة»، بل بوصفها أمة «حرة».
ظل افغانستان عبر التاريخ متلألئا كجوهرة براقة بين الحضارات العظيمة؛ لا بسبب ثروته المادية، بل بفضل موقعه الاستراتيجي الذي جعله جسرا للتواصل بين الشرق والغرب. غير أن هذه الميزة نفسها جعلت من هذه الأرض هدفا جذابا للقوى الاستعمارية. فالإمبراطورية البريطانية، التي كانت تعد في القرن التاسع عشر من بين القوى الكبرى في العالم، لم تكن تستطيع أن تتقبل وجود بلد مستقل على مقربة من عرش الهند وتاجها.
ولهذا السبب هاجمت افغانستان ثلاث مرات بكل قوتها العسكرية؛ لكنها واجهت في كل مرة شعبا يرى «الحرية» قيمة مقدسة، لا مجرد شعار، ويعد حياته ثمنا زهيدا في سبيلها. ولم يكن الثامن والعشرون من أسد نتيجة انتصار مفاجئ، بل كان ثمرة مقاومة حكيمة حافلة بالتضحيات امتدت على مدى قرن كامل. ويختزن هذا اليوم في جوهره تاريخ ثلاث حروب كبرى، حملت كل واحدة منها إلى الاستعمار درسا لا مثيل له.
في الحرب الأولى، حين هاجمت بريطانيا افغانستان بجيش مزود بأحدث الأسلحة ومفعم بثقة لا حدود لها، واجهت مشهدا ربما لم تسجل الكتب العسكرية مثيلا له: شعبا صمد في وجه المدافع والبنادق بالحجارة والسيوف، وأشاع في قلوب الجنود البريطانيين من الخوف والرعب ما جعل اسم افغانستان، حتى بعد مرور سنوات، يستحضر لديهم ذكريات الخوف والهزيمة. وقد أثبتت تلك الحرب أن المعدات العسكرية، مهما بلغت من التطور، لا يمكنها أن تضمن النصر في مواجهة روح المقاومة وحب الأرض والوطن.
في الحرب الثانية، وبعد التجربة المريرة السابقة، انتهج الاستعمار استراتيجية جديدة، محاولاً إضعاف المقاومة الوطنية وتفتيتها عبر إثارة النزاعات؛ إلا أن القبائل الأفغانية المختلفة توحدت هذه المرة أيضاً تحت راية هدف مشترك ضد العدو الخارجي، وأثبتت أن الاختلافات العرقية واللغوية لا يمكن أبداً أن تحل محل العزة الوطنية. كما أثبتوا أن الاستعمار لا يفهم إلا لغة القوة، وأن السيادة لا تُنال إلا بالإرادة الصلبة والمقاومة التي لا تُقهر.
لكن ذروة هذا النضال والكفاح تجلت في الحرب الثالثة؛ تلك الحرب التي اندلعت في شهر مايو من عام 1919م بقيادة أمان الله خان، وانتهت بكرامة في الثامن والعشرين من أسد، الموافق للعشرين من أغسطس من العام نفسه، مع إعلان استقلال أفغانستان.
لم تكن هذه الحرب نصراً عسكرياً فحسب، بل كانت نصراً دبلوماسياً عظيماً أيضاً. فمعاهدة “راولبندي” التي نتجت عن هذه الحرب لم تكن مجرد اتفاقية عادية، بل كانت وثيقة عز ورفعة لأمة نالت استقلالها من بين النيران والدماء.
بيد أن الاعتراف باستقلال أفغانستان لم يعني نهاية مساعي الاستعمار؛ فقد حاولت بريطانيا خنق استقلال أفغانستان الوليد في مهدِه عبر فرض حصار اقتصادي شديد وضغوط هائلة. وفي تلك الأيام العصيبة، كانت هذه الأمة الأبية هي من خرجت مرة أخرى إلى ميدان المواجهة؛ حيث تحمل الأفغان الجوع والحرمان ليثبتوا أن “الحرية” لا تُباع مقابل الخبز أو المال، وأظهروا أن الأمة التي دفعت ثمناً باهظاً من أجل استقلالها، لن تحني رأسها أبداً تحت وطأة الحكم الأجنبي.
اليوم، وبعد مرور قرن وسبعة أعوام على هذا اليوم العظيم، لا ينبغي أن تقتصر نظرتنا إلى الثامن والعشرين من أسد على مجرد مراجعة تاريخية، بل هو مرآة تعكس لنا صورتنا الحقيقية. ورغم نيل الاستقلال السياسي آنذاك، إلا أن معناه الحقيقي المتمثل في “الاعتماد على الذات”، و”التقدم”، و”العدالة الاجتماعية”، لا يزال يمثل الطموحات التي تستوجب العمل لتحقيقها. إن فلسفة هذا اليوم تعلمنا أن الحرية ليست نعمة تُنال لمرة واحدة، بل هي عملية مستمرة يجب على كل جيل أن يجددها، ويحميها، ويعززها.
وعندما نتحدث عن أفول الاستعمار، يجب ألا ننسى أن الاستعمار لا يظهر دائماً بالشكل ذاته، بل يتخذ أشكالاً جديدة مع تغير العصور. فالاستعمار الاقتصادي والثقافي والسياسي اليوم يحاول بأشكال مستحدثة تقييد إرادة الشعوب، والتدخل في شؤونها، والتأثير على مستقبلها. لذا، يذكرنا الثامن والعشرون من أسد بأن التصدي لهذه الأشكال الجديدة من الهيمنة يتطلب ذات العزة والاتحاد والبصيرة التي أظهرها أجدادنا خلال كفاحهم ضد البنادق البريطانية.
لقد كان الثامن والعشرون من أسد فجراً لاستقلال أمة، ونهاية لاستعمار ظنّ أنه قادر على كتابة التاريخ بقوة السلاح. إن هذا اليوم ليس للاحتفال بالماضي فحسب، بل لبناء مستقبل يفهم فيه كل أفغاني المعنى الحقيقي لـ “الحياة الحرة”. فلنستحضر في ذكرى هذا اليوم العظيم واحترامه أولئك الشهداء الذين تركوا لنا هذا الإرث الفريد بدماءهم، ولنجدد العهد مع أنفسنا ومع تاريخنا ومع الأجيال القادمة بأن نبقي سراج الحرية مشتعلاً في هذه الأرض إلى الأبد.




















































