يثبت تاريخ العلاقات الدولية وأجهزة الاستخبارات أن إخضاع دولةٍ ما للنفوذ الخارجي لا يقتضي دائمًا غزوًا عسكريًا مباشرًا أو إرسال جيوش من الجواسيس السريين. ففي عالم الجغرافيا السياسية المعاصر، يتمثل النموذج الأكثر نجاحًا للاختراق (Infiltration) في أن تفتح الدولة المستهدفة بنفسها أبوابها أمام النفوذ الأجنبي، فتضع أصولها الاستراتيجية، ومؤسسات صناعة القرار، بل وحتى أعلى المناصب التنفيذية فيها، تحت تصرف أشخاص يرتبطون بالقوى الخارجية.
ولا يتم هذا النوع من الاختراق عبر الحروب غير النظامية، بل من خلال الارتهان الاقتصادي، وانتهاك الدستور، وتشكيل تحالفات مع نخبٍ لا يرتبط حاضرها ومستقبلها ارتباطًا عميقًا بوطنها. وعند التعمق في دراسة مسارات هذا النفوذ وأهدافه، تتكشف لعبة معقدة وخطيرة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد.
ويُعدّ الارتهان الاقتصادي للدول البوابة الأوسع التي تبدأ منها عمليات النفوذ الخارجي بصورة طبيعية. وبعبارة أخرى، فإن المساعدات المالية والبرامج التنموية تمثل أكبر وأقوى وأشرع وسيلة للتغلغل داخل مؤسسات الدولة. فعندما تعتمد دولة ما، بسبب ضعف الحوكمة والاضطراب الاقتصادي، بصورة مستمرة على القروض والمساعدات الخارجية، فإن القوى الأجنبية والمؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي، لا تعود بحاجة إلى بذل جهود استثنائية لترسيخ نفوذها.
ومع هذه القروض وحزم الإنقاذ المالي، يدخل أيضًا مستشارون وخبراء اقتصاديون أجانب يتركون أثرًا طويل الأمد على مفاصل النظام المالي للدولة. وتتمثل نتيجة هذا “التحكم عن بُعد” في فقدان الدولة جزءًا كبيرًا من قدرتها على اتخاذ القرار المستقل؛ إذ تصبح كيفية معالجة عجز الموازنة، ومستويات الضرائب، وأسعار الكهرباء والغاز، وحتى تعيين محافظ البنك المركزي، خاضعة بدرجات متفاوتة للتأثيرات الخارجية.
وفي مثل هذه الظروف، لا يبقى البرلمان في الدولة الجمهورية سوى مؤسسة تمنح الموافقة الشكلية، بينما تصبح القرارات المالية الجوهرية للدولة، عمليًا، واقعة تحت تأثير جهات خارجية. ويشكّل هذا الارتهان الاقتصادي نقطة الضعف الأساسية التي تحوّل النفوذ الأجنبي إلى منظومة متكاملة. أما المسار الثاني لهذا النفوذ، فيتمثل في الفراغ الذي تخلّفه الأنظمة العسكرية، حيث تتركز جميع صلاحيات الدولة في يد شخص واحد أو دائرة ضيقة.
وهنا يبرز السؤال: كيف يكتسب هذا الارتهان الاقتصادي والضغط الخارجي شرعيةً ودعمًا داخل الدولة؟
عند هذه النقطة يبدأ التحالف بين السياسة والمؤسسة العسكرية، فيما يمكن وصفه بـ”الفراغ الأمني الناتج عن الحكم العسكري”. ويُعتقد عادةً أن اختراق المؤسسات العسكرية من قبل القوى الأجنبية أمر بالغ الصعوبة، غير أن التاريخ يقدم صورة مغايرة.
ففي الأنظمة التي تعمل بصورة طبيعية، تواجه القوى الخارجية مؤسسات متعددة، كالبـرلمان، والمعارضة، والقضاء المستقل، والإعلام الحر، والرأي العام الواعي، مما يجعل النفوذ أكثر تعقيدًا. أما عندما تتركز سلطة اتخاذ القرار، بفعل الحكم العسكري، في يد شخص واحد أو مجموعة محدودة، فإن التأثير على ذلك الشخص يصبح الطريق الأقصر للسيطرة على مجمل النظام.
ولأن الحاكم العسكري يفتقر إلى الشرعية المستمدة من الإرادة الشعبية، فإنه يحتاج إلى الدعم الخارجي، والاعتراف السياسي، والمساعدات المالية لضمان استمرار حكمه. وفي مثل هذه الأوضاع، قد تخضع حتى القرارات المتعلقة بالسيادة الوطنية لضغوط خارجية. ويُعدّ نهج الجنرال برويز مشرف عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر (11 سبتمبر) مثالًا واضحًا على ذلك.
فبعد الضغوط القادمة من واشنطن، ومن دون نقاش برلماني واسع أو مسار دستوري شامل، انخرطت باكستان في دعم العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان، ووضعت المجال الجوي، والتسهيلات اللوجستية، وشبكاتها الاستخباراتية في خدمة الولايات المتحدة في حربها ضد إمارة أفغانستان الإسلامية. وقد شكل هذا القرار، وفق هذا الطرح، بداية صراع داخلي دام سنوات طويلة، بينما منح الجنرال مشرف مكانة “الحليف الأمامي” (Frontline Ally) وضمانات لبقاء نظامه.
ومن هنا، فعندما تنشغل المؤسسة العسكرية بالتدخل في السياسة، والضغط على القضاء، والسيطرة على وسائل الإعلام، فإنها تنصرف عن وظائفها الاستخباراتية الأساسية، الأمر الذي يسهّل اختراق البنية المعلوماتية، وشبكات الاتصالات، والممرات الاقتصادية من قبل الجهات الخارجية. وفي هذا السياق، يرى الكاتب أن النخبة العسكرية في باكستان أدّت باستمرار دور ما يسميه “لورنس باكستان” و”النخبة الكمبرادورية”، من خلال تهيئة البيئة المناسبة للنفوذ الخارجي.
وفي عالم الاستخبارات وإدارة الدول، ثمة قاعدة معروفة مفادها: “المؤسسات تُدار بالأشخاص؛ فإذا أردت تغيير النظام، فاستهدف الأشخاص.” ويكمن أخطر وجوه النفوذ الخارجي في تمكين تكنوقراط وشخصيات تصل إلى أعلى المناصب، لكنها تمثل في الواقع مصالح القوى الخارجية أكثر مما تمثل مصالح شعوبها. ويُطلق على هذه الفئة في الأدبيات السياسية مصطلح “النخبة الكمبرادورية” (Comprador Elite).
ويُقدَّم شوكت عزيز، الذي تولّى رئاسة الوزراء خلال عهد الجنرال مشرف، بوصفه مثالًا على هذا النموذج. فقد كان مسؤولًا رفيع المستوى في سيتي بنك، وأمضى معظم حياته في الولايات المتحدة ودول أخرى، ثم عاد إلى باكستان، وهيئت له الترتيبات القانونية والانتخابية، فعُيّن أولًا وزيرًا للمالية، ثم رئيسًا للوزراء.
وبالمفهوم الجيوسياسي، يصف الكاتب هذه الشخصيات بأنها تمثل نموذج “لورنس باكستان”؛ أي أشخاص يرتدون لباس الدولة ويتقلدون مناصبها الرسمية، لكن ارتباطاتهم الفكرية والمالية والعائلية تبقى وثيقة بالمراكز الخارجية.
وخلال فترة حكم شوكت عزيز، بيعت أصول وطنية تحت شعار الخصخصة، وأصبح الاقتصاد قائمًا على الديون والاستهلاك المؤقت. وعندما انتهى عهد مشرف وغادر شوكت عزيز السلطة، عاد إلى الخارج، ولم يعد مرتبطًا بمشكلات باكستان أو بمستقبلها. ويرى الكاتب أن هذه الصورة تمثل أحد أسوأ أشكال النفوذ الخارجي؛ إذ يأتي المديرون الأجانب، وينفذون مهمتهم، ثم يغادرون، بينما تبقى الشعوب تتحمل تبعات تلك القرارات لأجيال.
وانطلاقًا من ذلك، يخلص هذا الطرح إلى أن النفوذ الأجنبي ينشأ دائمًا من الثغرات الداخلية ونقاط الضعف في بنية الدولة. وعندما تُقصي المؤسسة العسكرية الشعب عن المشاركة السياسية وتدعم استمرار الحكم العسكري، فإنها، بحسب هذا الرأي، تهيئ البيئة المناسبة للقوى الخارجية. ولذلك، فإن الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، ليست بحاجة إلى شبكات تجسس سرية معقدة لترسيخ نفوذها في باكستان، ما دام ارتهان النخب الحاكمة وحاجة النظام العسكري إلى الدعم الخارجي يوفران لها هذه الفرصة.
ولهذا، ما لم تنتقل سلطة اتخاذ القرار إلى ممثلين حقيقيين للشعب، وما لم تُستبعد من مواقع القرار الشخصيات التي تمثل المصالح الخارجية تحت مسمى “التكنوقراط” أو ما يسميه الكاتب “لورنس باكستان”، فإن استقلال البلاد سيظل، في نظره، مجرد حلم على الورق، بينما ستبقى زمام قراراتها في أيدي قوى خارج حدودها.



















































