لماذا لا يثق العالم بـباكستان؟ وهل السبب الرئيسي هو سياساتها الانتهازية؟

اکبر جمال

في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو الدبلوماسية الدولية نشطة من جديد. وفي هذا السياق، يظهر بروز باكستان المفاجئ كوسيط محتمل مهم – في الظاهر – تطورًا إيجابيًا؛ غير أنه عند التعمق في هذا المسار، تتكشف أبعاده المتعددة، بعضها قائم على الواقع، وبعضها الآخر يبدو جزءًا من الدعاية وصناعة الروايات الخاصة.

وبالنظر إلى التناقضات القائمة داخل النظامين السياسي والعسكري في باكستان، فإن الوضع هذه المرة لا يختلف كثيرًا عن السابق. ومن هذا المنظور، فإن وصف إعداد باكستان لطاولة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بأنه مجرد “جهد من أجل السلام” والإشادة به، قد يكون تغاضيًا عن الحقيقة. كما أن تصوير وسائل الإعلام الدولية للدور المتناقض لباكستان قد يبدو قاسيًا ظاهريًا، لكن رفضه بالكامل ليس منصفًا.

السؤال ليس لماذا تسعى باكستان للوساطة بين أمريكا وإيران في الأزمة الراهنة، بل لماذا تنشط دائمًا في مثل هذه اللحظات الحساسة، بينما تخلق في الوقت ذاته أجواء توتر وصراع مع أفغانستان؟ والسؤال الأهم: ما هي أولويات باكستان الحقيقية وراء هذه السياسة المتناقضة؟

للإجابة عن هذا السؤال، تكفي نظرة سريعة إلى التاريخ؛ فالأمر ليس مجرد انطباع عام، بل حقيقة مدعومة بأحداث تاريخية واضحة.
فعلى سبيل المثال، خلال الحرب السوفيتية في أفغانستان، أقامت باكستان تحالفًا وثيقًا مع الولايات المتحدة وقدّمت نفسها كدولة في الخط الأمامي، ونتيجة لذلك حصلت على دعم مالي وعسكري واسع، لكن آثار هذه السياسة ظهرت لاحقًا في المنطقة على شكل تطرف وعدم استقرار، دفعت باكستان نفسها ثمنه.

وكذلك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتحت شعار “الحرب على الإرهاب”، عاد الجيش الباكستاني لدعم الولايات المتحدة، وقدم تسهيلات عملية لعملياتها في أفغانستان، رغم أنه كان قبل ذلك يُعد من أقرب الداعمين لحكومة طالبان. ولم يكن هذا التحول المفاجئ مجرد تغيير فكري، بل استمرارًا لسياسة قائمة على التكيف مع القوة العالمية المهيمنة وفقًا للضغوط والمصالح.

وبالمقابل، حصلت باكستان على مليارات الدولارات، لكنها واجهت أيضًا نتائج هذه السياسة في شكل عدم استقرار داخلي، وتصاعد الإرهاب، والانقسام الاجتماعي. وفي السنوات الأخيرة، برز توجه آخر في علاقاتها نحو الصين، خاصة في إطار الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني (CPEC). ومع ذلك، لم تقطع علاقاتها مع الولايات المتحدة، بل سعت إلى تحقيق توازن بين القوتين. وقد يُعد هذا سلوكًا دبلوماسيًا ذكيًا، إلا أن منتقديه يرونه دليلًا على غياب سياسة واضحة ومستقرة، لا سيما وأن مشروع CPEC لم يُنفذ بعد بالشكل المأمول.

أما في ما يتعلق بالأزمة بين أمريكا وإيران، فإن التحرك الدبلوماسي المحتمل لباكستان يعكس النمط ذاته؛ فمن جهة توجد مشاكل مع إيران مثل التهريب والتوترات الحدودية وانعدام الثقة، ومن جهة أخرى تدّعي الوساطة فجأة. وهذا التناقض لا يعكس دبلوماسية متماسكة، بل يُظهر بوضوح غياب الاستمرارية في السياسة، ويعزز صورة باكستان كدولة انتهازية قائمة على المصالح.

السؤال الجوهري هو: هل تمتلك باكستان سياسة خارجية ثابتة ومبدئية، أم أنها تحدد مسارها وفقًا لتغير الظروف الدولية وتحت ظل القوى الكبرى؟

صحيح أن كل دولة تتخذ قراراتها وفق مصالحها، وباكستان ليست استثناءً، لكن الفارق يكمن في الاستمرارية والوضوح. فحتى الدول الضعيفة تعتمد سياسات قائمة على المصالح، لكنها تمتلك استراتيجيات واضحة وأهدافًا بعيدة المدى. أما في حالة باكستان، فيظهر في كثير من الأحيان أن سياستها الإقليمية تُصاغ كردود فعل آنية بدلًا من تخطيط مسبق.

إضافة إلى ذلك، فإن عدم الاستقرار الداخلي في باكستان يعزز هذا الانطباع؛ فالتقلبات السياسية، والتوازن غير المستقر بين القيادة المدنية والعسكرية، والاقتصاد الضعيف، كلها عوامل تعيق بناء سياسة خارجية ثابتة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح استغلال الفرص المؤقتة خيارًا شبه إجباري، لكنه يتحول أيضًا إلى نمط دائم.

ورغم سهولة القول إن وسائل الإعلام الغربية تتعامل مع باكستان بتحيز، إلا أن السؤال الأهم: هل ساهمت باكستان نفسها في ترسيخ هذه الصورة؟ فعندما تقوم دولة مرارًا ببناء تحالفات وفكّها بناءً على موازين القوة فقط، فإن اتهامها بالانتهازية لا يكون مفاجئًا.

ولهذا، فإن غياب الاستمرارية في السياسة الخارجية الباكستانية، وتقديم المصالح قصيرة المدى، يعيدانها مرارًا إلى نفس النقطة التي تُثار فيها الشكوك حول نواياها.

ويرى المحللون أنه إذا أرادت باكستان أن تلعب دورًا موثوقًا وجادًا على الساحة الدولية، فعليها أن تعتمد سياسة خارجية واضحة وثابتة ومبدئية، بدلًا من السعي إلى الوساطة في نزاعات بعيدة، وأن تبدأ أولًا بإصلاح علاقاتها مع جارتها أفغانستان. وإلا فإن أي مبادرة دبلوماسية جديدة – مهما بدت إيجابية – ستظل موضع شك، وقد تؤدي في النهاية إلى مزيد من تآكل الثقة والمصداقية.

Exit mobile version