فلسطين؛ صمود، تضحية وبشارة الحرية!

أكبر جمال

لقد تحولت أرض فلسطين المقدسة، منذ عقود طويلة، إلى ساحة مفتوحة للظلم والعدوان، غير أن الهجمات الاسرائيلية الوحشية على غزة في السنوات الاخيرة تجاوزت كل ما عرفه التاريخ المعاصر من صور البطش والقسوة. وما يجري هناك ليس مجرد حرب تدور في بقعة جغرافية محدودة، بل هو امتحان حقيقي لكرامة الانسان وضمير العالم اجمع.ان القصف الذي يستهدف في غزة الأطفال الأبرياء، والنساء العزل، والمدنيين الذين لا يملكون وسيلة للدفاع عن أنفسهم، قد اصبح وصمة سوداء على جبين البشرية، وصورة دامغة سيحتفظ بها التاريخ في ذاكرته ولن يمحوها النسيان مهما تعاقبت السنين.

ومع كل هذا الرعب والدمار فقد أَثْبَت صمود الشعب الفلسطيني أن القُوَّة الماديَّة لا يمكنها أبدا أن تتغلَّب على قوَّة الإيمان وشغف الحريَّة. وفي هذه المعركة من أجل الحريَّة كان لقيادة حماس وجناحها العسكري دور بارز شكَّل صفحة مشرقة في تاريخ المقاومة. لقد تمكَّن قادة مثل عزالدين حداد من وضع خطط دفاعيَّة في غاية الصعوبة وتحدِّي منظومة عسكريَّة تمتلك أحدث وسائل التقنية والقوَّة لدى جيش الاحتلال، وهو ما أَثار دهشة كثير من الخبراء العسكريين.

إنَّ حركة مقاومة مثل حماس، رغم ما تتعرَّض له من حصار خانق وغارات جويَّة متواصلة، قد أظهرت من الشجاعة تشبه سير إبراهيم عليه السلام في نار نمرود الطاغي حتى غدت مثالًا يُعد من الصفحات الذهبيَّة في تاريخ العالم. وفي هذه المعركة فإنَّ استشهاد قادة شجعان مثل عزالدين حداد، وإن كان في ظاهره حزنا عظيما للأمَّة، إلَّا أنَّ هذه التضحيات في حقيقتها تمثِّل وقودا يُبقي شعلةَ المقاومة متَّقدة.

هذه الدماء تصنع قوَّة تفوق كلَّ سلاح مادي. وتضحياتُ الشهداء تصبحُ مشاعل تهدي الشباب الفلسطيني، الذين يرفعون من بين الأنقاض هتافات التكبير ونداء أحد أحد ليؤكدوا للعالم أنَّ الحقَّ لا يعرف الهزيمة أبدا. كما أنَّ هذه الدماء تزيد إرادة المظلومين صلابة، وتتحوَّل في ذاكرة الأجيال القادمة إلى رمز للصمود والثبات. إنَّ ما تشهده غزَّة اليوم يكشفُ بوضوح حالة العجز الأخلاقي لدى القوى الدولية، وفشل القوانين العالمية في حماية الأبرياء. ففي جانب تقفُ الأسلحة المتطورة والدعم الدولي، وفي الجانبِ الآخر يقف مجاهدون لا يملكون سوى الإيمان، والدفاع عن أولى القبلتين، والوفاء لأرضهم.

وبالرغم من أن هناك أزمة إنسانية، ونقص في الغذاء والدواء والماء واستمرار لتفريغ كل ضروب الضغوطات على غزة اختار الفلسطينيون مع ذلك طريق التمسك بأرضهم ولو كان الثمن الروح. ورسالتهم واضحة: «إن صوت الحق لا يطفأ في نيران البارود».

إن نضال الفلسطينيين ليس مجرد صراع على بقعة جغرافية بل هو معركة من أجل القبلة الأولى والدفاع عن المسجد الأقصى وصون الكرامة الإسلامية. فهذا المكان يعد مركزا لعقيدة الأمة الإسلامية ولذلك فإن صرخة غزة تعد في حقيقتها طرقا على ضمير العالم الإسلامي كله.إن صمت المجتمع الدولي المجرم وعجز المؤسسات العالمية قد كشفا أن ميزان العدالة في كثير من الأحيان يميل لصالح الأقوياء غير أن الفلسطينيين أثبتوا بإصرارهم أن الفضل الأخلاقي يبقى دائما في صف المظلوم.

يرتفع صوت من أنقاض غزة ويحمل رسالة يقظة إلى الأمة بأسرها. يذكرنا بأن الحياة الكريمة لا تنال إلا بالتضحية. وقد كتب شهداء فلسطين بدمائهم حقيقة ثابتة أن ليل الظلم مهما طال لا بد أن يعقبه شروق شمس الحق. واليوم فإن الحاجة ملحة لأن يكسر المجتمع الدولي وبخاصة الأمة الإسلامية صمتها وأن لا يكتفي مدعو حقوق الإنسان بالكلام بل يتحركوا باتخاذ خطوات عملية على أرض الواقع.

إن تضحيات الشعب الفلسطيني العظيمة لن تذهب سدى أبدا، لأن التاريخ يشهد أنه حين يختار قوم الموت على العيش فلا قوة في الأرض تستطيع أن تستعبدهم. وعندما يكتب مؤرخ المستقبل قصة فلسطين، فإنه سيذكر من جهة وحشية الفراعنة المعاصرين، ومن جهة أخرى سيسجل أسماء أولئك الرجال الشجعان الذين أبقوا شعلة الحرية متقدة بثمن دمائهم.

إنها ليست مجرد حرب، بل هي صوت الحق في مواجهة الباطل، صوت لن يصمت حتى تشرق شمس الحرية على أفق فلسطين. وندعو الله تعالى أن يرفع درجات شهداء فلسطين، ويتقبل تضحياتهم، وأن يمن الجرحى بالشفاء التام، وينزل نصره الغيبي عليهم، وأن يرزق هذا الشعب المظلوم فجر الحرية الذي انتظره لها في عينيه منذ ثمانية عقود.

Exit mobile version