كيف سيذكرکم التاريخ؟

مفتي سلطان محمد ثاقب

التاريخ هو الكتاب الحيّ لضمير الأمم. فكل أمة في العالم كانت لها هداية العلماء الصادقين العاملين القائمين بالحق، لم تُقَيَّد يومًا بسلاسل العبودية، بل عاشت دائمًا في نعمة الحرية. وهذه حقيقة مسلَّمة أن أعلى مكانة في الأمم هي للعلماء؛ لأنهم ورثة الدين، وعلى عاتقهم تقع مسؤولية التمييز بين الحق والباطل. وهم الذين ينقذون الشعوب من العبودية الفكرية والجسدية، ويدعونها إلى حرية الفكر والعزة.

تنال الأمة الإسلامية العزة والوقار والنور حين يكون العلم حيًا، ويملك العلماء الجرأة على قول الحق. لكن التاريخ يُظهر أيضًا أنه عندما يصمت العلم وتُكمَم كلمة الحق، فإن الباطل لا يرفع رأسه فحسب، بل يظهر متلبسًا بلباس الحق. وهذه أخطر حالة: أن ينمو الباطل في ظل العلم.

وما يثير القلق اليوم هو استخدام أساليب فكرية وسياسية متعددة لإضعاف الإسلام، منها: 1- الانحرافات تحت مسمى السياسة الإسلامية.
2- تحريف الحق تحت عنوان المصلحة.

والأعجب من ذلك أن هذين المسارين يُنفَّذان عبر بعض العلماء، وأنتم – يا علماء باكستان – قد وقعتم في هذا المسار دون وعي. فليست السياسة الإسلامية أن تُقرأ في الكتب أو تُؤلَّف فيها المجلدات، بل هي الوقوف عمليًا في وجه مؤامرات العالم، وحماية الأمة من مكائد الكفار السياسية.

وإذا نظرنا إلى حياة السلف، وجدنا أنهم قدّموا أعظم التضحيات في سبيل حفظ الدين؛ سُجنوا، وتحمّلوا الأذى، بل استُشهدوا، ولم يتركوا قول الحق. ولم يساوموا على الحق تحت ذريعة المصلحة، بل ضحّوا بكل شيء لبقاء الشريعة. فبهذا خُلّدوا في صفحات التاريخ بعزة، وعُرفوا كمفكرين سياسيين إسلاميين.

فلماذا اليوم تتأرجحون باسم المصلحة والسياسة في مهد الديمقراطية؟ لقد حان الوقت لتسلكوا طريق أسلافكم، ولا تتركوا قول الحق باسم المصلحة، وأدّوا مسؤولية هداية الأمة بشجاعة.

إن التاريخ سيسجل صمتكم كما سيسجل مواقفكم؛ فالأجدر أن تقفوا مع الحق، ليذكركم الأجيال القادمة بعزة لا بلوم. فالقاعدة تقول: “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”، أي أن دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة. فإذا كانت المصلحة سببًا لإخفاء الحق، فهي ليست مصلحة بل مفسدة.

تزكية الباطل باسم الحق

إن أرض باكستان وشعبها المسلم محل احترام وتقدير، وكذلك جهود العلماء الدينية. لكن السؤال: بأي دليل شرعي تدعمون عناصر مجرمة تحت عنوان مدح باكستان؟ وبأي مبرر تمدحونهم؟ وما الإنجازات التي جعلت باكستان تتألق؟

وهل تستحق الدائرة الخاصة في النظام الباكستاني، التي يقودها اليوم عاصم منير، هذه الأوصاف؟ هذه أسئلة أجاب عنها التاريخ:

1- قبول تقديم دعم عسكري لإسرائيل ضد غزة.
2- تمكين الناتو من استخدام الأرض والجو الباكستاني لإسقاط نظام إسلامي في أفغانستان.
3- إخفاء قادة وعلماء بارزين قسرًا بحجة العداء للتحالف الكفري.
4- نسيان دماء طلاب المسجد الأحمر، وقضية عافية صديقي، واستشهاد الشيخ نصيب خان، واغتيال مولانا سميع الحق وتمزيق جسد مولانا حامد الحق.
5- التغاضي عن الواقع الحالي، حيث أعاد الأفغان نظامهم الإسلامي، بينما استمرت هذه الدائرة في الحرب ضده خدمة لمصالح أمريكا، وانتهاك السيادة، وقتل الأبرياء، ومنها قصف “كمب الأمل” الذي استشهد فيه أكثر من 400 مدني.

يا علماء باكستان! إن هذه الدائرة بقيادة عاصم منير شوّهت اسم باكستان، وتركت عارًا في صفحات التاريخ، وسجنت العلماء وقتلتهم. فاستفيقوا! لم يرفعوا شأن باكستان، بل أظهروها في ميدان التبعية بشكل يُستحى منه.

تأملوا يا علماء باكستان!

كل زمن هو اختبار لعلمائه: مرة بالفقر، ومرة بالظلم، ومرة بالقرب من السلطة. وأصعب اختبار هو أن يختار العالم الصمت بدل قول الحق. وقد طرح القرآن سؤالًا مؤلمًا:
﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت﴾

إنه ليس مجرد سؤال، بل توبيخ إلهي لصمت العلماء؛ لأن صمتهم ليس حيادًا، بل:
تهيئة للباطل
تقوية للظالم
بداية ضلال الأمة
دعم للظلم

ويقول الله تعالى:
﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾

والركون ليس فقط الوقوف مع الظالم، بل يشمل:
مدحه
تبرير ظلمه
السكوت عنه
إلباس الباطل لباس الدين.

وهنا يخرج العالم من صف الحق ويدخل – بشكل غير مباشر – في صف الباطل.

العلماء الربانيون هم الذين يقرنون العلم بالعمل، ويجعلون الدنيا تابعة للدين، ويقدّمون الحق على كل شيء. وهم لا ينهزمون أمام ضغوط الزمن، ويعلمون أن: “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”. فالعالم الحقيقي ليس من يكثر علمه فقط، بل من يقول الحق في الشدائد.

كيف سيذكرنا التاريخ؟

اتقوا الله وخافوا من عذابه، وأظهروا للناس حقيقة أفعال النظام العسكري الذي نشأ في حضن التبعية. افتحوا أفواهكم للحق، ولا تُغلقوها خوفًا أو مصلحة. فإن لم تفعلوا، فإن التاريخ لن يصمت؛ فهو يسجل كل فعل، وكل موقف، وكل صمت.

وسيكون عارًا أن يُعرّفكم للأجيال القادمة بأنكم داعمون لذلك النظام. فالتاريخ لا يسجل الأفعال فقط، بل يسجل الصمت أيضًا.

Exit mobile version