فصل جديد في العلاقات بعد عقود من الحروب!

عمر راشد

تُعد الأيديولوجيا، والدفاع عن القيم، والمصالح الوطنية، والتنمية، والاتحاد، وتعزيز القوة، وتوسيع النفوذ، من أهم العوامل التي مهدت الطريق في العقود الماضية لظهور العداء بين الدول الصديقة، والصداقة بين الدول المعادية. يتألف العالم اليوم من قرابة 200 دولة، تسعى كل منها لضمان أمنها، وحماية قيمها، وعدم منح أي دولة أو منظمة أو جماعة أخرى الفرصة للإضرار بعقائدها أو ثقافتها أو قيمها أو مواردها أو أراضيها.

وتُعد أفغانستان من بين دول العالم المعاصر التي تمتلك من جهة تاريخاً عريقاً، ومن جهة أخرى تقاليد راسخة في النضال من أجل تحقيق تلك الغايات. فمنذ أن وضع أحمد شاه بابا (رحمه الله) حجر الأساس لأفغانستان المعاصرة، خاض هذا الشعب شتى أنواع الصعاب في سبيل حماية الدين والحرية، بالتعاون مع الحكومات المعاصرة. لقد خاض حروباً ضارية في مناسبات عدة، ثم أقام لاحقاً علاقات جيدة مع تلك الدول لحماية مصالحها.

تمتلك أفغانستان تاريخاً طويلاً وحافلاً بالنضال، مما يجعل من الصعب تلخيصه في سطور معدودة. ومع ذلك، سنكتفي هنا بحديث موجز عن سياستها الخارجية وعلاقاتها مع روسيا خلال العقود القليلة الماضية. إن روسيا، وهي الدولة التي بقيت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، كانت تحكم إقليماً شاسعاً تحت مسمى الاتحاد السوفياتي في عهد الملك محمد ظاهر شاه، وكانت في ذلك الوقت منشغلة بنشر الشيوعية ومحاولة إخضاع الدول الأخرى لنفوذها.

وكانت لأفغانستان طموحات مماثلة، لكن تقديراتها لم تكن في محلها. فبعد تدريب بعض الأفراد ذوي التوجهات الشيوعية في أفغانستان، تمت الإطاحة بحكم سردار محمد داود خان، وتم تمهيد الطريق لزعماء مدعومين لفرض نفوذهم. ومن ثم، بدأ الطبقة الدينية في أفغانستان “الجهاد” انطلاقاً من واجبهم الشرعي والوطني، وبدعم من العالم الإسلامي أجمع، ألحقوا هزيمة بالاتحاد السوفياتي أدت إلى انفصال أربع عشرة دولة أخرى عن كيانه.

في تلك الحقبة، وبسبب الاحتلال السوفياتي، قامت علاقات أفغانستان بالاتحاد السوفياتي على أساس العداء المطلق، حيث أبدى الشعب الأفغاني مقاومة شرسة. وانقطعت كافة أشكال العلاقات مع الاتحاد السوفياتي. لاحقاً، انهار الاتحاد السوفياتي وبقيت روسيا وحدها، لتبدأ بذلك صفحة جديدة في العلاقات. وفي ضوء التعاليم الإسلامية، كانت حكومة المجاهدين آنذاك تطمح إلى بناء علاقات طيبة قائمة على الاحترام المتبادل مع كافة دول العالم، ولكن بسبب المؤامرات الخارجية، دُفعت أفغانستان نحو الحروب الداخلية، وظلت البلاد تعاني من حرب أهلية لما يقرب من عقد من الزمان.

وقبل القضاء التام على الحروب الداخلية، بدأ الاحتلال الغربي. في البداية، تعاونت روسيا مع الجماعات المعارضة للمجاهدين ومع الولايات المتحدة، ولكن بعد فترة، شهدت سياستها الخارجية تجاه أفغانستان تحولاً جذرياً، حيث كانت تدعم المعارضين وتمنحهم الملاذ وتتسبب في إثارة مختلف الصعوبات.

ولم تكتفِ روسيا بوقف دعم الجماعات المعارضة لأفغانستان فحسب، بل سعت في بعض المناسبات إلى إفشالهم. وبدأت في دعم المشاريع التنموية، مما استفتح عهداً جديداً من العلاقات في المجالات الاقتصادية والتعليمية والسياسية، وهو ما أدى إلى تخلّي دولة كانت خصماً سابقاً عن مسار العداء.

وفي العقد الحالي، تحقق الفتح للإمارة الإسلامية. وبعد وصول الإمارة إلى السلطة، أظهرت روسيا مرة أخرى نهجها الإيجابي؛ حيث قلصت علاقاتها مع معارضي أفغانستان، ودعمت الإجراءات التنموية، وعززت التعاون الاقتصادي، واتخذت سياسة قائمة على الصداقة والاحترام المتبادل مع الإمارة الإسلامية، وفي هذا السياق، تم توقيع اتفاقية دفاعية وتقنية الأسبوع الماضي، مع وجود مؤشرات على إمكانية توسيع التعاون العسكري في المستقبل القريب.

إن هذا التعاون لم تحصل عليه الإمارة الإسلامية من خلال المساومة أو التنازل عن مبادئها وقيمها، بل استحقته بناءً على المصالح المشتركة، فالتعاليم الإسلامية تتيح مثل هذه الاتفاقيات والعلاقات. إن علاقتنا مع روسيا في الوقت الحالي تقوم على الاحترام المتبادل، أي أن التواصل مستمر مع الحفاظ على أرضنا وديننا ومصالحنا الوطنية وقيمنا. وبناءً على الشريعة، نحن مستعدون، وكنّا وما زلنا، لإقامة علاقات وتفاهمات مشروعة ليس مع روسيا فحسب، بل مع كافة دول العالم.

إن عداءنا أيضاً كان قائماً على مبادئ الشريعة. فمتى ما كان ديننا مصوناً، وقيمنا محفوظة، ولم يوجد احتلال، فإننا نقيم العلاقات مع كل طرف يسمح به الإسلام. أما إذا عاد الاحتلال -لا قدر الله- أو اقتضت أحكام الشريعة ذلك، فسيستمر الجهاد ذاته الذي بدأ منذ غزوة بدر.

Exit mobile version