داعش وأيُّ شريعة يدّعيها؟ الجزء الأول

أسامة حقاني

يتغاضى تنظيم داعش عن استهداف الجنرالات الإسرائيليين والأمريكيين، ويوجّه سهامه نحو العلماء والدعاة، وكأن عداوته قد انصبت على حملة الدين لا على أعدائه الحقيقيين. وإن صلة قياداته بالدوائر الاستخباراتية الخارجية لتبدو جليةً من خلال ممارساتهم وتحركاتهم المشبوهة. وفي الوقت الذي يمضي فيه الجنرالات الإسرائيليون في سفك دماء الأبرياء بوحشية لا تعرف رحمة، فيقتلون الأطفال والنساء والشيوخ، ويتمادون في انتهاك المقدسات الإسلامية والإساءة إليها، بل ويتجرؤون على مقام النبي الأعظم محمد ﷺ باتهامات باطلة وافتراءات ساقطة.

هذه الجماعة، بدلا من أن تواجه أولئك المعتدين، تصبّ بطشها على عالم أفنى عمره في تبليغ دين الله جلّ جلاله، حتى شابت لحيته في سبيل الدعوة والإرشاد. فهل يُعقل أن يقيم أمثال هؤلاء خلافة تحفظ للأمة دماءها وأموالها وتصون كرامتها؟
لقد شوه داعش الاسم المشرق للخلافة الإسلامية بأفعاله المشينة فجعل منه وصمة عار بعدما كان رمزا للعزة والوحدة. وهذه الفئة الخارجة قدّمت الإسلام للعالم في صورة الرعب والذبح والعنف وسفك الدماء، مع أن الدين الحنيف ما نزل إلا ليقوّض أركان الظلم ويقتلع جذوره. وحين أشرق نور القرآن العظيم، كانت الأرض ترزح تحت وطأة الجبروت والوحشية، فلما جاء، انبثقت ينابيع الرحمة، وانتشر العدل، وتهاوت صروح الطغيان صرحا بعد صرح، حتى تبدّل الخوف أمنا، والقسوة رحمة، والظلام نورا مبينا.

تحت ظل قيادة محمد ﷺ وأصحابه الكرام، تبدّلت الفوضى أمنًا، والخوف طمأنينةً، فعاش الناس جميعًا في ظل الدولة الإسلامية آمنين مطمئنين؛ لا فرق بين كافرٍ ومسلمٍ ويهودي، إذ شملهم عدلها، واحتضنتهم راية السلام فيها. ذلك هو الإسلام الذي منح السكينة للإنس والجن، وبثّ الرحمة في القلوب، وأقام ميزان الحق بين الخلق.
وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
(سورة الأنبياء: 107

يدلّ هذه الآية الكريمة على أن محمد ﷺ، والدين الذي جاء به، إنما هو رسالة رحمة ومصدر خير وإحسان للبشرية جمعاء، لا يختص بقوم دون قوم، ولا بأمة دون أمة، بل يمتد نوره إلى العالمين كافة. غير أنّ خوارج داعش في هذا العصر قد شوّهوا صورة الإسلام، وعرّفوا العالم بهيئة الخوف والبطش والظلم، حتى جعلوا من الدين الذي نزل رحمة للناس وسيلة للرعب وسفك الدماء. فهل هذا الذي يقدّمه داعش هو الدين ذاته الذي قدّمه محمد ﷺ للإنسانية؟ أم أنهم جاءوا الناس بدين آخر ما أنزل الله به من سلطان؟

لا ريب أن محمد ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن شريعته هي الشريعة الخاتمة. أما داعش فإنه يسير في طريق منحرف، حاد عن منهج النبوة، وابتعد عن هدي الإسلام القويم.
وقد جاء في صحيح البخاري:

أن رسول الله ﷺ اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل، ورهنه درعه.

وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا في زمن السلم بالمدينة يذهبون إلى أسواق اليهود ويتاجرون معهم. فإذا كان يُكفَّر ذلك النظام الذي أُقيم بدماء شباب الأمة بسبب العلاقات التجارية، فما حكم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يذهبون إلى أسواق اليهود؟ وفي النهاية نصل إلى هذه النتيجة: إن داعش جماعة ضالة تجاوزت الخط الأحمر للإسلام. والشريعة التي يعرضها داعش لا علاقة لها بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

Exit mobile version