حين يصبح المنبر خادمًا للسلطة!

أبو جاويد

الإسلام دين العدل والإنصاف، دينٌ ينهى أتباعه عن نصرة الظالمين، قال تعالى:
﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
أي: لا يعن بعضكم بعضًا على الإثم والظلم. غير أنّ المؤسف أن هذا الأصل الجليل من أصول الإسلام قد داسه بعض من ينتسبون إلى العلماء.

إنّ النظام العسكري في باكستان، الذي ظلّ منذ نشأته إلى اليوم تابعًا للولايات المتحدة، حقيقةٌ يدركها حتى الأطفال، ويعرفون بها طبيعة دور هذا البلد في المنطقة. ومع ذلك، فإن بعض العلماء الذين تكلّ ألسنتهم من كثرة رواية الأحاديث، قد خالفوا مقتضاها، فأخذوا يمدحون هذا النظام، ويشيدون بإنجازاته، ويقدّمون الطغيان المعاصر بوصفه رمزًا للتقدّم والارتقاء.

وكان ينبغي بالعلماء أن يكونوا روّاد قول الحق، وأن يقودوا الناس ببصيرة نحو الحقيقة، غير أنّهم اليوم يجعلون من خطى “الدجال المعاصر” في بلدانهم سرّ التقدّم والنهضة! ولا يُدرى: أذلك لسطحية فهمهم للدين، أم لرضوخٍ واعٍ منهم لقيود العبودية؟ فالإسلام ليس دينًا يمجّد خطوات الكافر ويجعلها عنوانًا للتقدم؛ ولو كان كذلك، لما وقف الصحابة رضوان الله عليهم شامخين أمام إمبراطوريات الروم وفارس، ولما جاهدوا في سبيل الله، بل لكانوا قد أحسنوا الظن بها واتبعوا آثارها.

ولا يُفهم كيف بدأت شعائر الدين تذبل شيئًا فشيئًا، وكيف يُغفل عن قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾

إنّ عاصم منير هو نفسه الذي قُتل في عهده مئات الأبرياء في قلب أفغانستان، ويداه ملوّثتان بدماء الأبرياء. كما أنّ ترامب مسؤول عن دماء فلسطين وأفغانستان، وهو من قادة الكفر في صراعه مع الإسلام، يحيك الخطط ضد المسلمين يوميًا. فكيف يمكن أن يُقدَّم هؤلاء قدوةً للتقدّم؟

إن رسالة العلماء ليست الخضوع للكفر، فهذا انحراف وضلال وخيانة للأمانة. بل رسالتهم أن يوعّوا الناس بمكائد الكفر، وأن يبيّنوا لهم أنّ الغلبة وإن كانت اليوم للكافر، فإن العاقبة للإسلام، وسيبلغ سلطانه كل أرجاء الأرض. تلك هي مهمتهم: ترسيخ سيادة الإسلام في النفوس، لا تهيئتها للعبودية.

ينبغي للعلماء أن يقتدوا بالإمام مالك رحمه الله، الذي سُجن سنين بسبب فتوى، ولم يتراجع رغم بطش الحاكم. وأن يقتدوا بالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، الذي صبر على السجن والتعذيب في مسألة خلق القرآن، ولم يبدّل موقفه.

لقد امتلأ تاريخ الإسلام بمواقف علماء سُجنوا أو استُشهدوا من أجل كلمة الحق. فإن كان علماء باكستان لا يستطيعون قول الحق، ولا إنكار الظلم، ولا العمل بقول النبي ﷺ:
«أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»،
فليصمتوا على الأقل، وليعملوا بقوله ﷺ:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
فإن الصمت حينئذٍ أهون من مدح الظالمين، إذ إن نصرتهم والثناء عليهم ليس من الحق في شيء، بل هو من علامات علماء السوء.

إنّ الأمة بحاجة إلى من يُوقظ وعيها، إلى من يزرع في نفوسها روح الجهاد والمقاومة، لا إلى من يروّج للطغيان. غير أنّ بعض علماء السوء في باكستان لا يحرّضون حتى على أدنى درجات الإنكار، بل يقدّمون الطغيان للشباب نموذجًا للتقدّم، حتى صار يُخيَّل للناس أن ثقافتهم متخلّفة، وأن النموذج الأصيل هو نموذج الغرب.

ومن خلال هذه الوقائع يتبيّن أن فتنة “الدجال المعاصر” لم تُصِب العوام فحسب، بل طالت الخواص أيضًا، حتى بلغت جذورها عقول بعض العلماء الذين يقضون يومهم في تدريس الحديث وتفسير القرآن، ومع ذلك أصابتهم غبار الانحراف.

Exit mobile version