السحر؛ وقت المناجاة
في أعماق ليالي شهر رمضان، توجد ساعة ذهبية لا تُعوض، يفتح فيها الله أبواب السماء لعباده. تلك الساعة هي وقت السَّحَر؛ عندما يخلق ظلام الليل، على أعتاب الفجر، أجواءً تملؤها السكينة والصفاء. هذا الوقت ليس فقط لتناول وجبة السحور، بل هو وقت للمناجاة مع المعشوق والتهامس مع رب العالمين. السحر هو خلوة العشاق ومناجاة المؤمنين؛ حين تنفصل القلوب عن التعلقات الدنيوية وتصعد الأرواح نحو الملكوت الأعلى.
يقول الله تعالى في وصف المتقين: **﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾** (الذاريات: ١٧-١٨). أي: كانوا قليلاً من الليل ما ينامون، وفي الأسحار يطلبون المغفرة. ترسم هذه الآية الجميلة صورة زاهية لعبادٍ قطعوا لذة النوم ونهضوا لمناجاة الله. السحر هو وقت نزول الرحمة وزمن غفران الذنوب؛ في هذه اللحظات الثمينة، يُزال غبار الخطيئة عن القلوب وتنسّم نسمات المغفرة الأرواح.
ما أجمل أجواء أسحار رمضان التي يصوم فيها الجسد والروح معًا، وتغضّ الروح الطرف عن كل ما سوى الله. في هذه الساعات النقية، تنكشف حجُب الغفلة، ويعيد الإنسان اكتشاف حقيقته أمام عظمة الرب. السحر هو اللحظة التي تفوح فيها الأرض برائحة السماء، وتحيط الملائكة بالعباد الساهرين، يستغفرون لهم من عند الله حتى مطلع الفجر. هذه اللحظات هي الدقائق التي يباهي فيها الله عباده ويقول لملائكته: “انظروا إلى عبادي الذين أحيوا ليلهم ولم يوقظهم سواي”.
أسحار رمضان فرصة لإعادة بناء الروح وترميم الصلات المقطوعة مع الله. في هذا الوقت، تُشفى القلوب المنكسرة وتلمع العيون الباكية. وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» (رواه مسلم). فما أحسن أن ندرك أسحار رمضان ونأخذ نصيبنا من هذا الوعد الإلهي.
لأسحار رمضان نكهة خاصة أخرى. أذان السحر يبشّر بيوم جديد من أيام العبودية. في هذه اللحظات، تُرفع أيادي الدعاء نحو السماء، وتطمئن القلوب برجاء الرحمة الإلهية التي لا تنتهي. ويقول نبينا الكريم -صلى الله عليه وسلم- في حديث شريف: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (متفق عليه). هذا النزول للرحمة في الأسحار هو دليل على العناية الخاصة من الله بعباده الساهرين.
السحر فرصة للخلوة مع الله. في هذه الخلوة، يمكن للمرء أن يتوب من ذنوبه الماضية، ويدعو لمستقبله، ويسأل الله التوفيق للعبادة. إن تزكية النفس لا تتم إلا بهذه الأسرار والمناجاة. عندما يقف الإنسان في جوف الليل أمام عظمة الله ويُظهر ضعفه وحاجته، تصقل روحه ويُزال عنها غبار الذنوب. السحر هو وقت توزيع الأرزاق المعنوية، ففي هذه الساعات يخص الله عباده بعناية خاصة ويفتح لهم أبواب رحمته.
دعونا في رمضان هذا لا نضيع لحظات السحر. قبل أن نستيقظ لتناول السحور، لنخصص دقائق للمناجاة والاستغفار. ولنسأل الله أن يجعلنا من عباده الصالحين وأن يرزقنا التوفيق للاستفادة من هذا الشهر الكريم. أسحار رمضان كنز ثمين؛ فلنقدره حق قدره. فكم من عباد وصلوا إلى مقام القرب الإلهي في هذه الأسحار، وكم من ذنوب غُفرت في هذه اللحظات.
