بشكل عام، إذا نظرنا إلى الأمر ككل، فإنّ باكستان منذ اليوم الأول لقيامها تسير في مركبٍ مضطربٍ على طريق الانقسام والتجزئة، وقد ظلت دائماً تصطدم بأمواج خطيرة؛ فتارة ظهرت حادثة سوات، وتارة اندلعت نزاعات بلوشستان وما يتعلق بخان قلات، ثم شهدت بعد ذلك انفصال منطقة ذات كثافة سكانية عالية كـ بنگلادیش وخروجها عن السيطرة. لكن بعد كل ذلك، فإن سياسات النخبة الحاكمة الفاشلة في الدولة الباكستانية لم تُحدِث فقط حالة من الكراهية والانزعاج في قلوب عامة الشعب، بل أدخلت المجتمع أيضاً في حالة من الضعف والشعور بالدونية. وبموازاة ذلك، نشأت — تبعاً للظروف الواقعية — حالة من سوء الظن تجاه التعاليم الإسلامية والقيم الدينية والشعائر المذهبية.
وبسبب هذا الوضع، انطلقت في أنحاء البلاد موجات متفاوتة: فبعضهم — بدافع الشعور بالدونية — أشعلوا نار الفوضى والتخريب، وبعضهم أطلق حركات تحت عنوان حماية القيم الإسلامية، ومن بقي منهم فقد أثار، بوعيٍ وحكمة، عاصفةً في سبيل إيقاظ الوعي الفكري لدى الشعب. وفي الأيام الماضية، شهد مؤتمر «عاصمه جهانگير» في لاهور واقعة لافتة ومثيرة للانتباه. فقد ألقى السياسي البلوشي المخضرم والنافذ، سردار اختر جان مينگل بلوش، كلمة حارة لكنها مطابقة للواقع، هزّت أجواء القاعة.
بدأ سردار اختر جان مينگل خطابه بتقديم وثيقة تاريخية، وقد تضمّنت تصديقاً على الاتفاق الذي تم بين مؤسس دولة باكستان محمد علي جناح وبين خان قلات. وقال سردار مينگل بوضوحٍ تام إن الاتفاق الذي عُقد بين خان قلات ومحمد علي جناح لم تُطبّق منه الدولة الباكستانية ذرة واحدة حتى اليوم؛ بل على العكس من تنفيذِه، فقد مُزِّقت جميع صفحاته هنا.
وأضاف سردار صاحب في حديثه أنهم — منذ ثمانين عاماً — حاولوا أن يتناغموا مع الدولة كي يسيروا معها في طريق مشترك، ولكن الدولة كانت تدفعهم دائماً إلى الخلف. وقال: إن والدي، سردار عطا الله مينگل، وصل إلى منصب رئيس الوزراء في الإقليم عن طريق أصوات الناس، إلا أن الدولة لم تقبل بهذا القرار. وأنا أيضاً أصبحتُ رئيساً للوزراء، لكنهم أزالوني من المنصب بالقوة والقهر. ثم ذكر أسماء عدة أشخاص آخرين وقال إن كلاً منهم — رغم تمتّعه بالدعم الشعبي — لم يُمنح حق التمثيل.
ومعنى كل هذا أن الدولة — رغم كل جهودنا — لم تكن مستعدة أبداً لأن تبقينا معها في المسار نفسه، ويثبت تاريخ ما يقرب من ثمانية عقود الماضية هذه الحقيقة بجلاء. ولهذا السبب، أرغب في أن أكرر الجملة التي قالها ذو الفقار علي بوتو لزعماء بنغلاديش: «أنتُم هناك، ونحن هنا»، لأنه لم يبقَ شيء يستوجب البقاء. وقد كانت هذه العبارة في هذا المجلس ذات دلالة أعمق، لأنها حملت معنى واضحاً: إذا لم تكن الدولة مستعدة للسير معنا معاً، فعلى الأقل فلتعتبرنا جيراناً لها.
وهنا يجب أن نفهم أن سردار اختر جان مينگل يُعدّ شخصية ثقيلة ووقورة وذات اعتبار كبير في السياسة الباكستانية. فقد قضى حياته كلها في الساحة السياسية، بل ورث السياسة عن أبيه الذي كان سياسياً بارزاً ومشهوراً قبله. وهو ملمّ بجميع خفايا السياسة، ويدرك حساباتها وتعقيداتها، ويعرف تماماً تقلبات هذا الميدان.
ومع ذلك كله، فقد بلغ به اليأس حدّاً جعله يقترح الآن أن يُصبح بلوشستان جاراً لباكستان، لا جزءاً منها. ولم يمضِ وقت طويل قبل أن يبدي اختر جان مينگل، في كلامه، نوعاً من إضفاء الشرعية على المسلحين المقاومين في بلوشستان. وقال: إن الشباب لم يعودوا مستعدين لقبول كلامنا، لأنهم يرون بأعينهم قهر الدولة وتهديداتها وجبروتها، ولهذا السبب سنذهب نحن بأنفسنا وننضم إلى مقاومتهم.
وهنا تأتي نقطة أخرى مثيرة قالها الصحفي الباكستاني المعروف حامد مير. إذ يذكر أنه عندما رفع اختر جان مينگل شعار استقلال بلوشستان في مؤتمر عاصمه جهانگير، دوّى التصفيق الحار من جميع الحاضرين من البنجاب والسند. وهذا يعني بوضوح أن المشاركين في المؤتمر كانوا متوافقين مع موقف اختر جان مينگل.
لم يقل حامد مير صراحةً مع أي جزء تحديداً كانوا متفقين، لكن من سياق الخطاب يبدو أن الجميع كانوا يوافقونه عندما كان يتحدث عن ظلم الدولة وقهرها ونقضها للاتفاقات، لأنهم لم يسمعوا تلك الأمور فقط، بل عايشوها وشهدوا عليها بأعينهم.
ثم ذكر حامد مير أمراً أكثر صدمة: فبعد كلام اختر جان مينگل جاء مستشار رئيس الوزراء للشؤون السياسية رانا ثناء الله ليلقي كلمته، فقام بإدانة دعوات استقلال بلوشستان، وتحدث أيضاً عن عمليات صارمة قد تقع وما قد ينجم عنها من خسائر مدنية. عندها بدأ الحضور بالخروج من القاعة احتجاجاً. وماذا يعني هذا؟ لا شيء سوى أنهم يقولون: إن ذلك الظلم الذي دفع أهل بلوشستان لحمل السلاح والصعود إلى الجبال لم تتمكنوا من إيقافه، بل تواصلون التهديد! ولذلك لا نقبل سماع هذا الكلام ولا حضور هذه الجلسة.
واللافت أن المحتجين كانوا من البنجاب والسند، وهذا يعني أن سكان البنجاب والسند يعرفون جيداً كمية الوحشية والقمع الذي يتعرض له أهل بلوشستان منذ زمن طويل، ويرون — أيضاً — أن الحل الوحيد لهذه الأزمة هو أن يصبح بلوشستان جاراً محترماً وكريماً لباكستان، لا تابعاً مضطهداً لها.
صحيح أنّ موجات الاستقلال تبرز في مختلف أقاليم باكستان بسبب القهر والاستبداد الرسمي: فهناك البلوش في السند، والسرايكيون في البنجاب، والهزارة وغيرهم في خيبر بختونخوا، لكن المشكلة في بلوشستان هي الأشد، والأكثر تصاعداً وعنفاً.
فمن جهة هناك مقاومة مسلحة تُرهب المدن الكبرى بشكل شبه يومي، ومن جهة أخرى تُظهر الشخصيات السياسية الكبرى في بلوشستان يأسها المتزايد من سياسات الدولة، ومن جهة ثالثة لم يعد للطبقة الدينية القدرة على كتمان ما في صدورها من استياء دفين. وفي الأيام الأخيرة، بدأت تتكرر في المجالات الفكرية والاجتماعية تصريحاتٌ من العلماء والمشايخ تقول إن بلوشستان — «إمارة قلات» سابقاً — كانت عند قيام باكستان دولة مستقلة ذات سيادة، وإن انضمامها إلى باكستان كان مشروطاً بأن يُطبّق فيها الشريعة. لكن اليوم، وبعد مرور سبعين عاماً، لا يُرى أثرٌ للشريعة، بل حتى القليل الموجود منها يتجه نحو الزوال.
ولهذا، فإنهم يرون أن على بلوشستان أن تعود إلى جذورها الأصلية وموقعها التاريخي. وهذه المواقف الواضحة من السياسة والدين ومن مختلف طبقات المجتمع تُظهر أن باكستان قد وصلت إلى حافة هاوية خطيرة من الانقسام، وليس مستبعداً أن ينفجر هذا الضغط المتراكم في أي لحظة.
باكستان على شفا الانقسام!
سيد جمال الدين الأفغاني
