في وقتٍ يعيش فيه المسلمون في مختلف أنحاء العالم أجواء العبادة والصبر والمغفرة خلال ليالي وأيام شهر رمضان المبارك، ذلك الشهر الذي يعلّم الرحمة والتسامح والتحمّل والإنسانية، نجد أنّ الدائرة الحاكمة في باكستان، المجاورة لأفغانستان، تسير على النهج ذاته الذي يتبعه النظام الصهيوني، إذ لا تستطيع تحمّل إعادة إعمار كابل ونهضتها وجمالها، وتسعى إلى تحويلها إلى نموذجٍ شبيه بغزة فلسطين، بل وإعادتها – كما في السابق – إلى رمزٍ للدمار والخراب.
وفي سياق هذه الجريمة الحربية الكبرى، شهدت العاصمة كابل قبل ليلتين حادثة مأساوية ومروّعة هزّت ضمير كل إنسان حي، ولم تُحزن فقط الشعب الأفغاني والمسؤولين وقيادة الإمارة الإسلامية، بل كل من يمتلك وجدانًا إنسانيًا. فقد استُهدف في هذا الهجوم الظالم فئة من أكثر فئات المجتمع ضعفًا وتهميشًا، وهم المدمنون، أولئك المدنيون العزّل الذين لا يملكون سلاحًا، ولا قدرة على الدفاع، ولا علاقة لهم بالحرب.
وقد أسفرت هذه الحادثة الدامية عن مقتل مئات المرضى وإصابة العشرات، في مشهد يُعدّ ضربة قاسية للقيم الإنسانية. إن مثل هذه الهجمات، التي تُنسب إلى الدوائر العسكرية الحاكمة في باكستان، تُعدّ انتهاكًا صارخًا وخطيرًا للقيم الإنسانية. فعندما لا تبقى نيران الحرب محصورة بين الأطراف المسلحة، بل تمتد لتستهدف الفئات الأكثر ضعفًا وعجزًا، فإن ذلك لا يُعدّ حربًا، بل انحدارًا أخلاقيًا خطيرًا. وهذه الأفعال تتعارض بشكلٍ واضح مع المبادئ الأساسية للإنسانية، ولا يمكن تبريرها بأي شكل من الأشكال، بل تُصنَّف عبر التاريخ ضمن أبشع الجرائم المرتكبة بحق المدنيين والفئات المستضعفة.
إن هذا الهجوم لم يكن ضربة عشوائية، بل جاء نتيجة تخطيط طويل ودقيق، أُوكل تنفيذه إلى جهةٍ تابعة لقوى خارجية، بهدف ممارسة ضغوط سياسية على الشعب الأفغاني المؤمن وعلى مسؤولي الإمارة الإسلامية. وإن الدوائر العسكرية التي دأبت على التدخل في شؤون المنطقة، ينبغي أن تدرك أن سفك دماء الأبرياء لا يُحقق مكاسب سياسية، بل يُغذّي مشاعر الكراهية ويُعمّق انعدام الثقة ويُشعل صراعاتٍ لا تنتهي.
ويتكوّن الهيكل العسكري في باكستان من مجموعة من الجنرالات والضباط الذين يبرّرون هذه الأفعال تحت غطاء الاستراتيجية، غير أنهم في الحقيقة يقفون في مواجهة الاستقرار الإقليمي والقيم الإنسانية كمرتكبي جرائم. ولا يزال هؤلاء الجنرالات، المعروفون بإثارة الفتن، يعتمدون على سياسة القوة والإخضاع وسفك الدماء، غير مدركين أنّ التاريخ لا يُبرّئ الظلم أبدًا. فكل لحظة من جرائمهم ستُعرض على ميزان الحساب، وستُحاسَب أمام محكمة الضمير والعدالة دون أي تساهل.
إن المجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان، ودول المنطقة، لا يمكنهم التزام الصمت أمام مثل هذه الجرائم المروّعة. ومن الضروري إجراء تحقيقات عميقة ونزيهة في هذه الحوادث، ومحاسبة المسؤولين عنها أمام العدالة؛ لأن الظلم دون حساب يُنذر بمزيدٍ من الكوارث. وإلا فإن أرض أفغانستان قد أنجبت شعبًا أبيًّا يمتلك تاريخًا طويلًا من مقاومة الظلم والعدوان، شعبًا هزم أجداده الاستعمار البريطاني، وأفشل آباؤه الغزو السوفيتي، وزعزع أحفاده أسس القوة العظمى خلال الاحتلال الأمريكي.


















































