الخط الفاصل بين القوة والحقيقة!

وصيف أحمد ریان

في السياسة الدولية كثيراً ما تقع أحداث ينكشف فيها فجأة ذلك المعيار الخفي بين القوة الظاهرية والقدرة الحقيقية. ففي اللحظة التي تسعى فيها دولة ما تحقيق أهدافها السياسية عبر القوة والدعاية والضغط، قد تبدو ناجحة على المدى القصير؛ غير أنّ التاريخ يبيّن أنه عندما تحين لحظة الحقيقة، فإن تلك القوة التي بدت كجبلٍ لا يُقهر تتحول إلى هضبة من رمال. وما تشهده العلاقات السياسية الأخيرة بين أفغانستان وباكستان يمكن اعتباره مثالاً حيّاً آخر على هذه الحقيقة التاريخية.

خلال العقود الماضية ظلّ المشهد الأمني في المنطقة ميدانًا للألعاب الاستخباراتية، والحروب بالوكالة، والضغوط المتواصلة. وقد دأبت المؤسسة العسكرية في باكستان على محاولة ضبط معادلات السياسة الإقليمية عبر القوة والنفوذ، غير أنّ مؤشراتٍ باتت تتكشف اليوم توحي بأن هذه المقاربة نفسها تحوّلت إلى المصدر الرئيسي للمشكلات. وتشير التقارير الأخيرة إلى أنّ الإدارة العسكرية في باكستان تسعى عبر قنوات غير مباشرة، إلى إجراء مفاوضات مع أفغانستان؛ وهو ما لا يُعدّ مجرد تحرّك دبلوماسي عابر، بل علامة على تحوّلٍ في معادلةٍ سياسيةٍ كبرى.

في العلاقات الدولية تنشأ أحيانًا أوضاعٌ يظنّ فيها أحد الأطراف أنّ بإمكانه إضعاف إرادة الطرف المقابل عبر الضغط والتهديد. غير أنّ المعادلات تنقلب رأسًا على عقب عندما يتمسّك الطرف الآخر بموقفٍ دفاعي راسخ عن سيادته الوطنية وكرامته. ويُعدّ ردّ الفعل الأخير لإمارة أفغانستان الإسلامية وموقفها الحازم عاملًا مهمًا في هذا التحوّل. فقد أفضى هذا الثبات إلى واقعٍ جديد دفع الدوائر السياسية والعسكرية في إسلام آباد إلى طرق باب الحوار عبر قنواتٍ متعدّدة.

إن المساعي لبعض الشخصيات السياسية، والزعماء القبليين، وحتى الجنرالات المتقاعدين بجهود وساطة، يُعدّ بحدّ ذاته دليلًا واضحًا على أنّ سياسة القوة لا تدوم. فعندما يعتاد نظامٌ ما على معالجة الأزمات عبر الضغط، فإنه يصل في نهاية المطاف إلى مرحلة يُضطرّ فيها إلى العودة إلى طاولة الحوار. غير أنّ سؤالًا مهمًا يظلّ مطروحًا إلى جانب ذلك: هل تأتي هذه الدعوة بدافع تعاملٍ صادق، أم أنها مجرد محاولة سياسية أخرى لكسب الوقت؟

تحاول وسائل الإعلام الخاضعة لرقابة مشدّدة من قبل الجيش الباكستاني رسم صورة توحي بأن أفغانستان هي من بادرت بطلب المفاوضات. ويرى المحللون أن هذه الدعاية لا تعدو كونها محاولة لإخفاء الحقيقة. فحين يعتمد نظام ما على التلاعب بالرأي العام عبر الدعاية بدلًا من مواجهة الواقع، يُعدّ ذلك مؤشرًا على ضعفه السياسي. في المقابل، يحمل موقف أفغانستان رسالةً واضحة وثابتة نسبيًا؛ فالدفاع عن أراضيها وشعبها وسيادتها مبدأ أساسي، ويبقى باب التفاهم والحوار مفتوحا.

هذا هو النوع من السياسات الذي يُعدّ في الأعراف الدبلوماسية الدولية علامة على الموقف القوي؛ موقف لا يحمل شعارات متشددة للحرب، ولا يُظهر أي بوادر استسلام. ويُظهر التاريخ أنّ الأمم تزيد من وزنها السياسي حين تحافظ على موقفها المبدئي في مواجهة الضغوط. وقد بلغ أفغانستان هذه المرحلة بعد عقود من الحروب، والتضحيات، والاختبارات الصعبة. وبفضل هذه التجارب، يسعى اليوم القيادة الأفغانية إلى إدارة سياسة المنطقة عبر موقف محسوب وعقلاني، بدلًا من الاستجابة للتقلبات العاطفية.

استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عندما تحترم جميع الدول سيادة بعضها البعض.
إذا كان باكستان يريد حقًا الخروج من دائرة التوتر المستمر والأزمات المتكررة هذه، فإنه من الضروري أن يتبنى سياسة التفاعل الشفاف بدلاً من الاستمرار في الضغوط السابقة والألعاب السرية
إن سياسة القوة والإكراه قد تحقق انتصارات أو مكاسب قصيرة الأجل، لكنها لا تكون أبدًا فعالة أو مجدية لتحقيق الاستقرار طويل الأمد.

أفغانستان اليوم يقف في مرحلة تاريخية حاسمة، حيث يمكن لكل قرار يتخذه أن يؤثر على مستقبل المنطقة بأكملها.
بعد عقود طويلة من الحروب، يتطلع الأفغان إلى مستقبل يضمن لهم الكرامة، الاستقرار، والاستقلال.
هذا الطموح النبيل هو الذي دفع أفغانستان إلى جعل الدفاع عن السيادة الوطنية أساسًا لأي تفاعل سياسي، مهما كان نوعه، هنا بالضبط تتضح الخط الفاصل بين القوة والحقيقة.القوة تصبح أضعف العوامل عندما تقف في وجه الحقيقة،
والحقيقة تصبح أقوى القوى عندما تمثل إرادة أمة وإيمانها العميق.

إذا تعلّم اللاعبون السياسيون في المنطقة من دروس التاريخ، فقد تبدأ هذه اللحظة مرحلةً جديدة؛ مرحلة يسود فيها العقلانية بدلاً من القوة، والتفاهم بدلاً من الضغط والإكراه، أما إذا تكررت الأخطاء السابقة، فإن التاريخ سيثبت مرة أخرى أن لا قوة مهما بلغت يمكنها أن تدوم أمام الحقيقة.
وهذا بالضبط هو الدرس الذي يعيد أفغانستان تذكيره للعالم من جديد.

الأمم لا تُهزم بالقوة العسكرية والسلاح، بل تُهزم الأمم حينما تفقد إرادتها الخاصة.
أفغانستان لا تزال تحتفظ بإرادتها حية وقوية حتى اليوم، وهذه الإرادة بالذات قد أصبحت أهم عامل وقوة في معادلة سياسة المنطقة بأسرها.

Exit mobile version