إن يومي 7 و8 من شهر ثور يُعدّان من أهم الأيام في التاريخ المعاصر للبلاد، وهما من الأيام التي تتكرر الإشارة إليها سنويًا وتُكتب حولها الكثير من المقالات. ولئلا تتحول هذه الكتابة إلى مجرد تكرار لما كُتب سابقًا، سأكتفي بإشارات مختصرة إلى بعض الذكريات، مع استخلاص عبر وتوصيات في ضوء الواقع الحالي.
قبل نحو نصف قرن (48 عامًا تقريبًا – 1357 هـ ش)، قام الشيوعيون بانقلاب عسكري متسرّع، تحت الظل السياسي للأيديولوجية السوفيتية، ظنًّا منهم أنه سيقود البلاد إلى الازدهار والحرية، لكنهم في الحقيقة دفعوا بلدًا كان مستقرًا نسبيًا ومستقلًا إلى خدمة أجنداتهم السياسية، وفرضوا الفكر الشيوعي المرفوض على الشعب.
في المقابل، أدرك الشعب المسلم في أفغانستان هذا الخطر جيدًا، فانطلق بكل فخر إلى ساحة النضال والتضحية، وخاض جهادًا ضد الغزاة القادمين من موسكو، وكذلك ضد أدواتهم الشيوعية داخل البلاد.
وبعد 14 عامًا من الجهاد المقدس، مُنيت القوات السوفيتية بهزيمة مُذلة، ونالت أفغانستان في الثامن من ثور انتصارًا مشرفًا. لكن هذا النصر لم يكن هدية من أحد، بل كان ثمرة تضحيات مئات الآلاف من المجاهدين.
إلا أن عدم احترام قدسية الجهاد وعظمة هذا الانتصار أدى إلى انزلاق البلاد نحو الحروب الداخلية، وأصبح قادة الجهاد أنفسهم عرضة للتشويه والفضيحة بسبب كفرانهم بهذا النعمة العظيمة.
إن الثامن من ثور ليس يومًا عاديًا، بل هو ملحمة خفية في قلب التاريخ، تحكي قصة مقاومة شعب ضعيف في ماديته، قوي بإيمانه، ضد قوى الاستعمار والاستكبار العالمي. وأول رسائله أن الحرية لا تُمنح بالكلمات والشعارات، بل تُنتزع بالتضحية وبذل النفس في سبيل الدين والوطن، وهو ما أثبته الأفغان حينها، مجسدين صراعًا تاريخيًا بين الإيمان والمادة.
وعندما دخل قادة الفصائل في صراعات على السلطة بعد ذلك، ووقعوا في الأنانية والاقتتال الداخلي، فإن ذلك كان عقوبة على خيانة روح الجهاد. وحتى اليوم، يعيش بعضهم في الندم والتشتت، وقد فقدوا احترام شعبهم، مما يعكس ذلّهم أمام الله أيضًا.
رسائل هذه الذكرى للأجيال الحالية والمسؤولين هي:
أولًا:
الاستقلال يُنتزع ولا يُمنح، وقد أثبت المجاهدون الأفغان أن الدين والوطن هما أعلى القيم، وأن طريق إنقاذ البلاد من الاحتلال هو الحرية فقط.
ثانيًا:
حفظ الاستقلال لا يقل أهمية عن انتزاعه، فهو نعمة إلهية، وكفران هذه النعمة ذنب عظيم، ويتحقق حفظ الحرية بالالتزام بقيم الجهاد والأخلاق وتجاوز الأنانية.
ثالثًا:
بعد عودة الإمارة الإسلامية إلى الحكم قبل نحو خمس سنوات، كانت هناك مخاوف من عودة الفتن والحروب الداخلية، لكن القيادة أدركت أن تلك التجارب المريرة لن تتكرر، وستُحفظ قيمة الحرية.
رابعًا:
لو تم التركيز على إعادة إعمار البلاد مباشرة بعد انتصار المجاهدين، لكانت أفغانستان اليوم من أكثر دول المنطقة تطورًا، ولذلك ركزت الإمارة منذ عودتها على البناء والتنمية المتوازنة.
خامسًا:
كانت الروح الجهادية والوطنية قوية بعد انتصار ثور، لكنها ضعفت بسبب صراعات القادة وتحويلهم الشعارات إلى مبررات لأفعالهم، مما أضعف صورة الجهاد وأعطى أعداء الإسلام فرصة للطعن فيه.
وبعد عودة الإمارة الإسلامية، تم الحفاظ على قيم الجهاد والانتصار، بل وتم ترسيخها وتوريثها للأجيال الجديدة كأمانة مقدسة، مع التزام واضح بين القول والفعل.
وفي الختام، نأمل أن يكون الثامن من ثور يوم فخر للشعب المجاهد الأفغاني، ودروسًا وعبرًا لكل من يفكر في غزو هذه الأرض الطاهرة، فاحتلالها قد يبدو سهلًا، لكن السيطرة عليها واستمرارها مستحيل، كما أثبتت أحداث الثامن من ثور عبر التاريخ.
