بعد انهيار الخلافة العثمانية الإسلامية، التي كانت شامخَةً كرمزٍ لوحدة الأمة ووقارها وعزتها وهيبتها، تفرّقت الأمة إلى أجزاء ممزقة، وحُوصِر المسلمون داخل حدودٍ رسمها الغرب، فقُسِّموا وفُرِّقوا وأُضعِفوا. زحفت الذئاب الجائعة من كل حدبٍ وصوب، فاستعمرت بلاد المسلمين واحدةً تلو الأخرى، ونهبت ثرواتهم ومواردهم المعدنية وآثارهم الثمينة، وسلبت ثقافتهم وهويتهم ومفاهيمهم الإسلامية؛ فوقع كثيرٌ من المسلمين في الحصار، وضلّوا الطريق، وانجذبوا إلى أحضان الغرباء، وغابت من عقولهم مفاهيم الجهاد والهجرة والشهادة والمقاومة والحرية.
غير أنّ أرضًا وشعبًا بقيا متمسكين بدينهم تمسكًا راسخًا، لم تستطع أي قوةٍ أن تُخضعهم أو تُذلّهم، فلم يبيعوا ولم يُساوموا على دينهم؛ إنها أفغانستان وشعبها. فأفغانستان ليست مجرد رقعة جغرافية محدودة، بل هي اسمٌ آخر للحق؛ حصن الإسلام الذي لا يُقهر، ومنارة الجهاد، كالمشعل الذي يظل متقدًا في الليالي العاصفة، فتستنير به الأمم التائهة في الظلمات.
لم تكن هزيمة الإمبراطورية البريطانية هنا مجرد انتصارٍ عسكري، بل كانت شرارةً ملتهبة في سجل التاريخ، امتد لهيبها إلى آفاق الأمة البعيدة؛ فاستيقظت أفكار التحرر في الهند، وبدأت الشعوب المسلمة في إفريقيا تكسر قيود الاستعمار، وتطهرت بلاد الشام من أقدامهم الدنسة، وفي النهاية قُطع رأس تلك الأفعى التي كانت تنهش جسد الأمة.
وأفغانستان ليست اسمًا فحسب، بل هي مدرسة؛ أرضها تُعلِّم، وجبالها تنطق، ودماؤها تكتب أبجدية الحرية. وهنا، بعد هزيمة الاتحاد السوفيتي، استعادت الأمة الإسلامية فريضةً كانت قد غابت عنها، وهي فريضة الجهاد. فتوافد المسلمون من كل أنحاء العالم لنصرة إخوانهم في أفغانستان، وتدرّبوا فيها عسكريًا، وصاروا جنودًا للحق، ثم عادوا إلى بلدانهم ليبدؤوا مسيرة الجهاد والدعوة. وكان جهاد القوقاز امتدادًا لجهاد أفغانستان، واستلهمت البوسنة معركتها للبقاء من التجربة الأفغانية، كما أن مؤسسي الحركات الجهادية في العراق والشام وإفريقيا الإسلامية وشبه القارة الهندية والمغرب الإسلامي والجزيرة العربية كانوا من تلاميذ الجهاد الأفغاني، الذين حملوا شعلة الجهاد إلى أوطانهم، وسقوا بذرتها حتى أثمرت.
وفي مواجهة ما سُمّي بالحرب الصليبية التاسعة التي قادها الكفر العالمي بقيادة الولايات المتحدة، كان أنصار الحق يقيمون في جبال هذه الأرض وسهولها، فهزموا القوى المعاصرة هزيمةً مذلّة سيبقى عارها ماثلًا في جبين التاريخ.
وبعد هزيمة التحالف الكفري، عاد الإسلام ليحكم جغرافية أفغانستان، فأُقيم النظام الشرعي، وجمعت القيادة الواحدة المؤمنين تحت راية الأخوة والاستقلال التام. وتنفس المسلمون، الذين أنهكتهم الحروب والدمار لعقود، الصعداء؛ فهذه الأرض التي نالت حريتها بثمن الدم، تبني اليوم مستقبلها على نور الأمل. مدنها تعجّ بإعادة الإعمار، وقراها تنشد الأمن، وتبدو على وجوه أهلها معالم الثقة والاطمئنان، ويسري العدل فيها كنهرٍ طاهر، وقد تحطمت أصنام الظلم والقهر.
غير أن سنة التاريخ تقضي بأن النور يثير حسد الظلام؛ فالقوى التي كانت تحلم باحتلال هذه الأرض، باتت تخشى اليوم مشهد عمرانها. وقد هُزمت في الحرب العلنية، لكنها لا تزال تحيك المؤامرات سرًا، فتارةً تسعى لإثارة الفتن، وتارةً تحاول زعزعة الأمن. وكما قال بوش، فرعون العصر، في أحد مؤتمرات الخليج: “لن نسمح لأي حركة إسلامية جهادية أن تصل إلى الحكم في أي بقعة من العالم الإسلامي؛ لأن ذلك سيلهم بقية الشعوب، فتتوحد القيادة والراية من المغرب إلى إندونيسيا، وهذا أمر غير مقبول بالنسبة لنا”.
واليوم أيضًا، تخشى الولايات المتحدة، رأس الأفعى، من وحدة القيادة في أفغانستان، ومن أمنها الفريد، ونهضتها العمرانية، ورضا شعبها، وقوتها الاقتصادية، وتحصيناتها العسكرية. وبعد أن عجزت عن التدخل المباشر، لجأت إلى وكلائها، وعلى رأسهم النظام العسكري في باكستان، لتطبيق مشاريعها. إن الصراع بين النظام الإسلامي الشرعي والنظام الطاغوتي العسكري ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو اختبار للبقاء، وصراع بين الحق والباطل، ومعركة وجود للنظام الإسلامي، تُصان بالتضحيات والدماء.
وهذه ليست حربًا بين الشعبين الأفغاني والباكستاني، بل هي مواجهة بين الإسلام وأتباع الدجال. فالشعب الباكستاني الأبيّ إخوان لنا، لكن الفئة الحاكمة عدوة للإسلام ولشعبها، ومن واجبها أن تُزال، وأن يتحرر الناس من قيود الذل، وينصروا إخوانهم.
أما أنصار النظام العسكري فهم جزء من التحالف الصليبي، أدوات لتنفيذ أهدافه، ولذلك يُنظر إلى قتالهم في هذا السياق.
يا رجال النظام الشرعي الصادقون:
أنتم تخوضون معركة الدفاع المقدسة عن الإسلام، فاثبتوا؛ دماؤكم طاهرة، وهدفكم نبيل، فلا تزعزعكم الملامات. وكما أقيم هذا النظام بثمنٍ باهظ، فإن الحفاظ عليه واجبٌ بثمنٍ مماثل. كونوا دائمًا على أهبة الاستعداد، فالنصر حليف الحق.
ويا أتباع الدجال:
اعلموا أن هذا الشعب لم يعد كما كان؛ لقد مرّ بآلامٍ عظيمة، وتعلّم معنى التضحية، ورسّخ قيمة الحرية في أعماقه. ومهما عظمت مؤامراتكم، فلن تُطفئوا نور الحق، بل سيزداد إشراقًا، حتى يبدّد ظلماتكم، وتندثر دسائسكم كما تذروها رياح التاريخ، وتبقى هذه الأرض قصةً خالدةً للأمن والعزة والتقدم في ظل النظام الإسلامي.
