مقدمة: القوة الحكومية، الحركات المسلحة والصراع الداخلي في باكستان
تاريخ الأمن الداخلي في باكستان ليس مجرد قصة من العنف البسيط بين الدولة والعناصر غير الحكومية؛ بل هو عملية معقدة ومتواصلة تضمّ تناقضات السياسات، سياسات القوة في المنطقة، هيمنة الجيش، والمحروميات السياسية والاجتماعية الطويلة الأمد. في مراحل مختلفة، تبنّت القوات المسلحة الباكستانية وأجهزة الاستخبارات استراتيجيات متعددة، وكانت النتيجة أن هذه السياسات لم تؤدي فقط إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، بل أدت أيضًا إلى تدمير الثقة بين الدولة والشعب بشكل كبير.
لقد أدت الإجراءات غير الملائمة للقوة الحكومية، والخطوات التي تخطّت الدستور، والاعتقالات القسرية، والقتل دون محاكمة، والعقوبات الجماعية إلى خلق ظروف تسببت في ظهور العديد من الحركات المسلحة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك هي حركة طالبان باكستان (TTP)، والقاعدة، وحركات المقاومة في بلوشستان. هذه المقالة تقدم دراسة تحليلية حول استخدام القوة الحكومية، سياسات مكافحة الإرهاب، والنتائج التي ترتبت على ذلك من حيث ظهور الحركات المسلحة.
خلفية السياسات الحكومية ونمو العنف في باكستان، لم تنشأ الحركات المسلحة في باكستان في بيئة من الفراغ الاجتماعي والسياسي بأي حال من الأحوال. خلال فترة الحرب الباردة وما بعدها، استغلّت المؤسسات الحكومية المصالح الإقليمية والاستراتيجية لها من خلال دعم بعض الجماعات الدينية والمسلحة بشكل غير مباشر، حيث كانت تُعتبر هذه الجماعات “ثروات استراتيجية” على المدى الطويل.
لكن، من المهم أن نوضح أن هذه الفكرة غير صحيحة تمامًا، إذ ليس كل الجماعات المسلحة تم تدريبها تحت إشراف مباشر من الدولة. الحقيقة هي أن العديد من هذه الجماعات كانت تعمل بشكل مستقل استنادًا إلى أفكارها الأيديولوجية، القبلية أو الإقليمية، على الرغم من أن وجودها وأنشطتها كانت مفيدة مؤقتًا للسياسات الحكومية.
من ناحية أخرى، قامت المؤسسات الحكومية بشكل مستمر بتقويض العملية السياسية، وابتعدت عن تطبيق الشريعة الإسلامية، وعززت الانقسامات والتمييز على أساس الطبقات الاجتماعية واللغوية. مع مرور الوقت، تحولت نفس الجماعات المسلحة، التي كانت في مرحلة ما تُعتبر مفيدة لمصالح الدولة، إلى تهديد داخلي حقيقي لها. وأصبح هذا التهديد يمثل خطرًا على استقرار الدولة، حيث بدأوا في التحول تدريجيًا إلى عوامل تؤثر على سياسة الحكومة وسلامتها.
على الرغم من ذلك، بدلاً من اللجوء إلى إصلاحات فكرية أو جوهرية لمواجهة هذه التحديات، فضلت الحكومة الاستمرار في استخدام القوة المفرطة. وكانت النتيجة أن الشعب الباكستاني أصبح يعاني من العقوبات الجماعية، والتعرض لعمليات عسكرية واسعة النطاق، والعديد من الانتهاكات لحقوق الإنسان.
إن هذا التناقض في السياسات، حيث يستفيد الدولة في مرحلة ما من أنشطة بعض الجماعات المسلحة بشكل غير مباشر، ثم يشن عليها هجومًا عسكريًا قاسيًا في مرحلة أخرى، يُعتبر من العوامل الأساسية التي تساهم في استمرار عدم الاستقرار والعنف في باكستان.
حركة طالبان باكستان، القاعدة والجماعات الجهادية: نشوء وتوسع
ظهرت حركة طالبان باكستان (TTP) وغيرها من الجماعات الجهادية في المناطق القبلية، وبخاصة في المنطقة السابقة من “فاATA”، في وقت كانت فيه تأثيرات الحرب في أفغانستان تنتقل مباشرة إلى داخل باكستان. كانت الهجمات بالطائرات بدون طيار، والعمليات العسكرية، والتهجير القسري على نطاق واسع، والتعامل المهين مع السكان المحليين، والاعتقالات الجماعية من العوامل التي أثارت غضب السكان المحليين وأدت إلى خلق مشاعر الاغتراب.
بناءً على العديد من التقارير البحثية، تسببت انهيار البنية القبلية التقليدية وعدم توظيف عنصر العدالة من قبل المؤسسات الحكومية في خلق بيئة وفرت الدعم والمأوى لتنظيمات مثل طالبان باكستان والقاعدة على المستوى المحلي. وبالتالي، لم يكن هذا الحراك مجرد رد فعل فكري أو ديني، بل كان أيضًا نتيجة للظلم الحكومي، والحكم غير الشفاف، والحرمان السياسي طويل الأمد.
العمليات العسكرية ضد الجماعات الإسلامية والجهادية والأضرار التي لحقت بالمدنيين:
نفذّت الحكومة الباكستانية في مراحل مختلفة عمليات عسكرية كبرى ضد الجماعات الإسلامية والجهادية، شملت هذه العمليات:
• عملية “راهِ نجات” (جنوب وزیرستان)
• عملية “راهِ راست” (سوات)
• عملية “ضربِ عضب” (شمال وزيرستان)
• ثم لاحقًا العمليات على مستوى البلاد تحت مسمى “ردّ الفساد”.
على الرغم من أن هذه العمليات قد تم تنفيذها تحت شعار الأمن، إلا أنها تسببت في أضرار إنسانية واجتماعية واقتصادية كبيرة للمدنيين.
من وجهة نظر الحكومة، كانت أهداف هذه العمليات القضاء على الإرهاب وتعزيز سلطة الدولة (الهيمنة)، ولكن وفقًا للمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان والمراقبين المستقلين، كان العبء الأكبر لهذه العمليات يقع على عاتق المدنيين. فقد أصبح الملايين من الناس مشردين، وتمت معاقبة مناطق بأكملها جماعيًا، ودُمرت المنازل والأسواق، ولا يزال آلاف المسلمين الباكستانيين حتى اليوم مفقودين بشكل غير قانوني، دون أن يتم الالتفات إلى صرخات أسرهم بأي شكل من الأشكال.
فشل السياسات واستمرار الحركات المسلحة:
الدراسات تؤكد هذه الحقيقة أن استخدام القوة العسكرية وحده لم يكن قادرا على القضاء على الإرهاب، والأسباب الرئيسية لذلك هي:
• غياب الجهود السياسية للمصالحة والحوار الجاد
• عدم وجود مشاريع تنموية في المناطق المتخلفة أو وجودها بشكل نمطي فقط
• الانتهاكات القسرية، والقتل دون محاكمة، وغياب المساءلة العملية من قبل الجيش
• رفض مطالب تطبيق الشريعة منذ تأسيس باكستان حتى اليوم
في ظل هذه الظروف، من جهة، ظهرت أو تعززت جماعات مثل حركة طالبان باكستان، ومن جهة أخرى، تصاعدت حركات المقاومة في بلوشستان، حيث كانت هذه كلها ردود فعل على القمع الحكومي.
بلوشستان، القمع الحكومي ومقاومة البلوش:
تاريخ استخدام السلطة الحكومية في بلوشستان طويل، مؤلم ومليء بالدماء. العمليات العسكرية، الاختفاء القسري، القبور الجماعية، والتوزيع غير العادل للموارد الطبيعية خلقت عدم ثقة عميقة وحرمانًا في صفوف الشعب البلوشي. قمع الأصوات السياسية وارتباط أي نوع من المعارضة بالخيانة قد زاد من تعقيد المشكلة.
في هذا السياق، ظهرت أشكال من المقاومة البلوشية، بما في ذلك عمليات “هيروف 1 و2”. تعتبر الجماعات البلوشية هذه العمليات رد فعل طبيعي للدفاع
عن وجودهم وحقوقهم، بينما ترى الحكومة فيها تهديدًا للأمن، وبالتالي تحاول تحويل الانتباه عن الأسباب الرئيسية للمشكلة. من الناحية البحثية، يُعد هذا الأمر بالغ الأهمية لأنه، على الرغم من اختلاف الطابع الفكري بين الجماعات الجهادية ومقاومة البلوش، إلا أنهما يلتقيان في نقطة مشتركة: فشل السياسات الحكومية والاعتماد المفرط على القمع.
النتيجة
من خلال هذه الدراسة البحثية، يتضح أن مشكلة حركة طالبان باكستان وغيرها من الحركات المسلحة في باكستان لا تقتصر على مسألة “القانون والنظام” فقط، بل هي نتيجة لتلك السياسات الحكومية، والتفوق العسكري، والانتهاكات التي تعرض لها الشعب، وكذلك الحرمان السياسي المستمر. عندما يتبنى الدولة الحل العسكري كخيار وحيد، ويتجنب تطبيق الشريعة، ويفر من المساءلة، فإن العنف، والمقاومة، وعدم الاستقرار يصبحون ردود فعل حتمية.
وفي هذا السياق، يجدر بالذكر أن بعض المفكرين والباحثين يعبرون عن دهشتهم من الانتهاكات التي ارتكبتها القوات المسلحة ضد الشعب، ومن السياسات المزدوجة المتبعة، كما لو أن هذه الأفعال جديدة وغير معروفة. في حين أن أي شخص قليل الاطلاع على تاريخ هذه المنطقة، وبالأخص على تاريخ الجيش الباكستاني، لن يمرّ دون أن يشعر بهذه الدهشة.
في الأجزاء القادمة من هذا البحث، سيكون هدفنا أن نوضح، استنادًا إلى الحقائق التاريخية والموثوقة، أن الظلم والمشاكل الحالية ليست حوادث مفاجئة، بل هي نتيجة منطقية لمسار تاريخي طويل، يتحمل مسؤوليته بشكل مباشر الجيش الباكستاني. في الأجزاء القادمة، سنقوم بدراسة تاريخ الجيش الباكستاني، ومن خلال سياساته وقراراته، سنوضح الخيانة التي مورست ضد المسلمين في باكستان والمسلمين في العالم بأسره. من خلال ذلك، سنتمكن من كشف حقيقة أن جذور الأزمة الحالية تكمن في السياسات العسكرية وأفعالها في الماضي.



















































