بدلًا من أن يتعامل النظام العسكري الباكستاني بجدّية مع الجذور الداخلية العميقة لحالة انعدام الأمن والعنف المستمر في إقليم بلوشستان، لجأ مرةً بعد أخرى إلى تحميل المسؤولية لجيرانه، خصوصًا أفغانستان والهند. هذا النهج المكرر والمملّ لا يعكس قراءة أمنية حقيقية، بل هو محاولة واضحة للتنصّل من الفشل التاريخي في إدارة هذا الإقليم وحوكمته على مدى عقود. فوفقًا للسردية الحكومية السائدة، لا يُصوَّر البلوش شعبًا ذا مطالب مشروعة، بل مجرد أدوات في يد قوى خارجية، وهي رواية لا تؤدي إلا إلى تعميق أزمة انعدام الثقة واتساع الهوّة بين المركز والإقليم.
لكن جوهر الأزمة لا يكمن في الادعاءات الخارجية، بل في الوقائع الداخلية الملموسة والمؤلمة. فالبلوش يعانون منذ عقود من التهميش الممنهج. ويتجلّى التمييز الاقتصادي في البنى التحتية المتآكلة، وارتفاع معدلات البطالة، وانعدام الاستثمار في المشاريع التنموية. وعلى الرغم من أنّ الإقليم يضم ثروات طبيعية هائلة—من الغاز إلى المعادن—فإنّ عوائدها تذهب إلى جيوب أخرى، فيما لا ينال السكان الأصليون سوى التلوّث والحرمان.
أمّا على الصعيد السياسي والاجتماعي؛ فالوضع لا يقلّ قتامة. فمستوى المشاركة السياسية الفعلية يكاد يكون معدومًا، واللغة والثقافة البلوشية تواجه خطر التهميش، في حين تكشف التقارير الدقيقة عن انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، من الإخفاء القسري إلى العمليات العسكرية العشوائية.
حين يعجز نظامٌ ما عن تلبية المطالب المشروعة لشريحة من مواطنيه، أو يُحجم عن ذلك عمدًا، تصبح أسهل وسيلة لديه هي إلصاق التهمة بـ”مؤامرة خارجية” وصناعة “عدوّ خارجي مشترك”. هذه الطريقة المشهورة في توجيه الرأي العام تؤدّي إلى انشغال المجتمع الباكستاني بعدوّ مُتخيَّل، بدل الالتفات إلى الظلم القائم داخل بلاده. أما وسائل الإعلام الرسمية والخطاب الحكومي فيواصلان الترويج بأنّ كل ما يحدث يُدار من وراء الحدود.
غير أن سؤالًا بديهيًا يظلّ بلا جواب:
إن كان هذا كلّه مجرّد تحريك خارجي، فكيف تجذّر إلى هذا الحد واستمر لعقود؟
هل يعقل أن يخوض شعبٌ محروم من ثرواته وحصته في الحكم حربًا نيابة عن الآخرين؟ أم أنّ أساس التمرد هو الواقع المرّ الذي يعيشونه؟
الهجمات الأخيرة (السبت، 11 دلو/فبراير) كشفت زيف السردية الرسمية. فالعمليات المؤثرة التي جرت في قلب بلوشستان، والأهم من ذلك، الظهور الواضح والميداني لزعيم “جيش تحرير بلوشستان” داخل الإقليم ذاته، تدحض تمامًا أسطورة “الملاذات الآمنة في أفغانستان أو الهند”.
كيف يمكن تصديق أنّ قيادة مقاومة محلية تُدار من الخارج بينما كبار قادتها يتحركون بين جبال وصحارى بلوشستان نفسها ويوجّهون عملياتهم من هناك؟
هذه الحقيقة الساطعة وحدها تكفي لهدم السردية التي روّجت لها إسلام آباد طوال سنوات. وهي تؤكد أنّ الاحتجاجات ليست نتاج دعم خارجي، بل نابعة من نار الحرمان الداخلي.
إنّ استمرار الإنكار والقمع والبروباغندا لم يحلّ أي مشكلة، بل عمّق الشرخ التاريخي وزاد من مشاعر السخط. ولا يمكن لإقليم مضطرب مثل بلوشستان أن يبلغ سلامًا مستدامًا من خلال تكثيف القواعد العسكرية أو شنّ عمليات واسعة، بل عبر العدالة والتنمية.
وإذا كان النظام الباكستاني صادقًا في رغبته بإرساء الاستقرار، فعليه التخلي عن سياسة الاتهام الدائم للآخرين.
آن الأوان لباكستان أن تُصغي لصرخة البلوش داخل بيتها بدل مطاردة أعداءٍ وهميين خارج حدودها. والحل، وإن كان صعبًا، إلا أنّه واضح:
بدء حوار جاد وغير مشروط مع الممثلين الحقيقيين للبلوش، واعتماد توزيع عادل للثروات، وخلق فرص اقتصادية حقيقية، واحترام الهوية الثقافية واللغوية، وضمان مشاركة سياسية فعلية.
من دون ذلك، ستستمر معاناة البلوش، وسيبقى الأمن القومي لباكستان بأسرها مهددًا على المدى الطويل.


















































