نظرة مختصرة على حياة الشهيد محمد نعمان”غزنوي” ـ تقبّله الله ـ وسيرته وإنجازاته!

مشعلٌ مضيء للإيمان، ونموذج للشجاعة، وإنسانٌ مكتمل متحلٍّ بالأخلاق النبوية، وسالكٌ لا يكلّ طريق الشهادة؛ الشهيد السعيد محمد نعمان الغزنوي، تقبّله الله، نجل الشيخ عبدالأحد جواد «الغزنوي»، وحفيد فتح القدير «صاحبزاده». وُلد سنة 1376هـ.ش في قرية أتَك التابعة لناحية آب‌بند من ولاية غزني بأفغانستان، في أسرة علمية جهادية، ففتح عينيه على هذه الدنيا الفانية.

التعليم الأولي: سلك الشهيد سعيد الغزنوي منذ طفولته طريق العلوم الشرعية، فتلقّى أولى دروس العقيدة والدين في ظل إمام مسجد قريته. ثبّت في قلبه تلاوة آيات القرآن، ومبادئ الصلاة، وأسس الإيمان، فكان ذلك منطلق نور الهداية في حياته. ولم تفتح له هذه المرحلة باب العلم فحسب، بل رسّخت فيه الإخلاص والتقوى والسير على نهج الأخلاق النبوية، فتهيّأ ليكون مجاهداً ثابتاً في درب الجهاد والتضحية.

كما تلقّى تعليمه العصري الأول في أرض الغربة، في بيشاور، حيث كان ألم الوطن وأمل المستقبل ينموان معاً في قلبه. وبعد الفتح، ومع نسيم الأمل الجديد الذي سَرَى في البلاد، فُتحت له أبواب جامعة مشعل في كابول – كلية الاقتصاد. بلغ الفصل الأخير، والقلم لا يزال في يده، والأحلام لم تكتمل؛ غير أن خطّ القدر سبق الآمال…

اختُتم مساره العلمي بدماء الشهادة؛ فاستُشهد، لكن كل صفحة من دروسه غير المكتملة غدت اليوم شاهدةً على التضحية والعزّ والحياة الخالدة. وفي مجال العلوم الشرعية، أتمّ أيضاً دورة قصيرة في غرين فيليج بإخلاصٍ وانضباط، فازدادت هناك دعائم الأخلاق والتقوى والنظام رسوخاً، وكان لذلك أثرٌ بيّن في جميع مراحل حياته اللاحقة.

الأنشطة الجهادية: كان محمد نعمان من أولئك الرجال الصامتين الثابتين الذين يؤدّون صوت العقيدة بلغة العمل. شارك بفاعلية في مسيرة الجهاد، ودخل مراحل الابتلاء بصدرٍ رحب. في قندوز، إلى جانب الشيخ عبدالسلام بريالي، نزل إلى خنادق الجهاد الساخنة؛ حيث امتزجت قوة الإيمان ويقظة الضمير برائحة البارود، وكان لكل خطوة معنى التضحية.

لم تكن الرحلة الجهادية سهلة؛ فقد صاحبته المشاقّ واللحظات المريرة والجراح والآلام. أُلقي القبض عليه في مسار النضال، غير أنه أُطلق سراحه بفضلٍ ونصرٍ خاصّين من الله عزّ وجل؛ فلم يُضعف السجن إرادته، بل زاده عزماً وثباتاً.

ثم توجّه إلى كنر، حيث اضطلع بتنظيم وتشكيل الأنشطة الجهادية. وتحت توجيه الشيخ زر محمد حقاني، بدأ نضاله، ونزل مع رفاقه إلى خنادق الجهاد بوقارٍ كامل، ولم يدّخر وسعاً في مواجهة العدو. كما قاتل في تغاب إلى جانب القارئ فريد ضد ألدّ أعداء الإسلام.

قصة محمد نعمان تتجاوز ضجيج السلاح وميادين القتال؛ إنها قصة نيةٍ وصبرٍ ووفاء، قصة بطلٍ صادقٍ من أبناء الأمة، ثبت في أشدّ الظروف، ابتُلي فلم ينكسر. وقبل الفتح، يروي مسؤول (والي) ولاية كنر، مولوي زر محمد «حقاني»، ذكرى الشهيد الغزنوي قائلاً: في عام 2017م، حين كنت المسؤول العسكري (الوالي) للإمارة الإسلامية في ولاية كنر، شرّفنا الشهيد محمد نعمان، نجل الشيخ عبدالأحد جواد من ولاية غزني، بمرافقته لنا، وشاركنا رحلات الجبهات الجهادية في كنر. ومنذ اليوم الأول تأثّرت بذكائه، وتقواه العميقة، وأخلاقه الرفيعة، وإخلاصه الخالي من الرياء. وبناءً على ذلك كلّفته بمهام إدارية وإمامة، وبدأ كذلك قراءة الكتب الشرعية عليّ. لم تكن رحلات كنر سهلة؛ فالطرق تمرّ بين جبالٍ وعرة، وأوديةٍ سحيقة، ومنحدراتٍ خطرة. وكنا إذا اشتدّ بنا التعب وضعنا أمتعتنا وسلاحنا على الأرض، واسترحنا تحت ظلال أشجار الصنوبر الشاهقة. في تلك اللحظات كانت الآلام تزول؛ إذ كان الشهيد نعمان يبدأ بصوته العذب أناشيد الجهاد، والمدائح النبوية، وأشعار السيرة المباركة لرسول الله ﷺ، فتنتعش القلوب، وتطمئن الأرواح والأبدان، ويُنسى التعب. كان بالغ الأدب واللطف، لا يسمح لي بتحمّل عناء؛ حتى إنه كان يحمل سلاحه مع سلاحي على كتفه. كانت الرحلات محفوفة بالمخاطر؛ كمائن وألغام داعش على الأرض، وتهديد الطائرات المسيّرة في السماء. غير أن شجاعته وسموّ أخلاقه لم تترك للخوف ولا لمكائد الأعداء سبيلاً إلى النيل من وقاره. كان يميل إلى الصمت في المجالس، لكنه بعد انتهائها ينقل إلينا مقاصدها وكلام المجاهدين بحكمةٍ وفي الوقت المناسب. وعند بدء الدروس كان يقول لي بأدبٍ وحياء:
«محترم! والدي يبلّغك رسالة.»
وكانت رسالة الوالد: «الجهاد فريضة، لكن وقت المرحلة الدراسية للابن قد اقترب؛ فإن لم يتضرر العمل وبالإذن، فليعد.»
فكنت أأذن له. وحين التقيته بعد ذلك، قال لي مبتسماً: سألني والدي فأجبتُه مراعيًا قواعد النحو. فتعجّب وقال: من أين تعلّمت هذه الدروس؟ فقلت: أثناء رحلات ولاية كنر. وبعد الفتح استمرّ تواصلنا. وأقول بيقين: إن علوّ الأخلاق كان أعظم رأس مال لديه. واليوم وقد انضمّ إلى قافلة الشهداء، أشعر بألم فراقه كأخٍ شقيق؛ غير أنني أفتخر بمشاركته الفاعلة في خدمة النظام الإسلامي إلى جانب الأستاذ وثيق، إذ كان ينقل رسائل الأستاذ وثيق إلينا بأمانةٍ وصفاء وبيانٍ واضح. أسأل الله تعالى أن يرفعه إلى أعلى درجات الشهادة المقبولة، وأن يعوّض أهله وأصدقاءه، ويجزيهم أجراً عظيماً.

المهام:
1. مجاهد فعّال في خنادق الجهاد.
2. إداري والي ولاية كنر قبل الفتح.
3. مدير مكتب رئاسة الاستخبارات (0700) لمدة سنتين.
4. سكرتير رئيس الاستخبارات العام الأستاذ وثيق لمدة سنتين.
الاستشهاد: بلغ نعمان أيامه الأخيرة دون أن نتوقّع الفراق. سافر مع الأستاذ وثيق إلى ولاية قندهار بقصد لقاء الشيخ؛ رحلةُ سكينةٍ ودعاءٍ ومناجاةٍ مع أميره. عاد إلى كابول يوم الأربعاء، وقضى يوم الخميس مع أسرته في فرحٍ، إذ جمعهم بمناسبة زفاف ابن خاله. أمضى ليلة الجمعة ويومها بين الأقارب في أجواء الفرح. وفي ليلة السبت عاد مع عائلته إلى بيته؛ بيت الأمن والمحبّة. وفي صباح السبت، وبينما كانت أنوار الفجر الأولى تلمع في زوايا المنزل، وقع انفجارٌ مفاجئ بسبب خللٍ تقني في سخّان المياه الغازي وتسرب الغاز، فمزّق سكون المكان؛ وفي لحظةٍ واحدة تغيّر كل شيء: نار، صرخات، دخان، دماء، وأنين ألم، مشهدٌ عصيبٌ يفوق الوصف.

أُصيب الأطفال، وارتقى نعمان – بوقاره وصبره وتحمله للمسؤولية – إلى المقام الرفيع للشهادة. نحسبه كذلك والله حسيبه.

تاريخ الاستشهاد: 6 جدّي سنة 1403هـ.ش.

لم يُستشهد نعمان في خندق قتال، بل في ظلّ قضاء الله تعالى. وفي ابتلاءٍ مفاجئ سلّم روحه الأخيرة إلى ربّ العالمين، وقلبه متزيّن بحُليّ الإيمان. رحل، لكن ذكراه باقية معنا؛ كانت حياته حياة مجاهدٍ مخلص، وكانت شهادته رسالة صبر. ووري جسده المبارك الثرى؛ نسأل الله تعالى أن يُسكنه أعلى عليّين، وأن يمنح أهله الصبر الجميل، وأن يوفّقنا جميعاً لاتباع طريقه.

Exit mobile version