قتل الأبرياء في الإسلام

مولوي عبد الجبار

قبل مجيء الإسلام، كان حال العرب في عصر الجاهلية مليئًا بالتحديات الكبيرة، وكانوا لا يقدّرون كرامة الإنسان حق قدرها، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن لهم عند بعثته أن الإسلام دين الرحمة والعدل وصون الكرامة الإنسانية. وقد أعطى الإسلام لحياة الإنسان مكانة عظيمة، حتى إن قتل نفس واحدة بغير حق عُدَّ كقتل البشرية جمعاء. ولذلك فإن قتل الأبرياء والعامة لا يُعد فقط جريمة أخلاقية عظيمة، بل هو أيضًا من أكبر الكبائر شرعًا.

وفي هذا السياق، نعرض بعض نصوص القرآن الكريم لبيان قيمة حياة الإنسان، وأن القرآن حرّم قتل النفس بغير حق تحريمًا صريحًا:

1. قال الله تعالى:
{مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]

يبين هذا الآية أن قتل إنسان بريء جريمة عظيمة تعادل قتل البشرية كلها، لما يترتب عليه من مفاسد دنيوية وأخروية، ونتائج وخيمة، بل إن القاتل نفسه قد يندم بعد فعله، كما أن سفك الدم الحرام يجرئ صاحبه على مزيد من الجرائم، ويفتح باب الفوضى والاضطراب العام.

2. وقال الله تعالى في بيان عقوبة القتل العمد:
{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]

توضح هذه الآية شدة عقوبة القتل العمد، وأنه من أخطر الجرائم. فمن يقتل مسلمًا عن قصد، وهو يعلم أنه مسلم، كما يفعل النظام العسكري الباكستاني المعتدي بقتل الأبرياء، فإن مصيره في الآخرة جهنم واللعنة والعذاب العظيم، ولا ينجو منه حتى بالكفارات.

فائدة: يدخل في هذا الحكم أيضًا من يعين هذا الجيش الظالم أو يصدر الفتاوى التي تبيح قتل المسلمين أو تسميه جهادًا.

3. قال الله تعالى:
{أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18]

وهذا يدل على أن قتل الأبرياء ظلم صريح، والإسلام يرفض الظلم رفضًا قاطعًا.

كما ورد في الأحاديث النبوية بيان حرمة قتل الأبرياء، وخاصة المسلم المظلوم:

1. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة).
رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

2. كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب عن قتل النساء والأطفال والشيوخ، فقال:
(لا تقتلوا وليدًا ولا امرأة ولا شيخًا).
وهذا يدل على أن الأبرياء محفوظون حتى في حال الحرب.

3. وقال صلى الله عليه وسلم:
(أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء).
رواه البخاري ومسلم.
وهذا يدل على عِظم شأن الدماء يوم القيامة.

وقد وردت أقوال السلف في التحذير من قتل الأبرياء:

1. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
“إن من ورطات الأمور التي لا مخرج منها: سفك الدم الحرام بغير حق”.
رواه البخاري والحاكم.

2. وقال معاوية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
“كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركًا أو قتل مؤمنًا متعمدًا”.
رواه أبو داود وأحمد.

3. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
“من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله”.
رواه أحمد وابن ماجه.

4. وفسر سفيان بن عيينة “شطر كلمة” بأن يقول الشخص: “اقـ…” ولا يتم كلمة “اقتل”، مما يدل على عِظم الجريمة ولو بأدنى مشاركة.

5. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
“لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق”.
رواه ابن ماجه والبيهقي.

6. وقال الإمام النووي رحمه الله:
“تحريم قتل النفس المعصومة مما انعقد عليه إجماع المسلمين، وهو من أعظم المحرمات”.

كل هذه النصوص تدل بوضوح على أن قتل الأبرياء من أعظم الجرائم في الإسلام، وأن مجرد الإعانة عليه أو التسبب فيه يوجب العقاب الشديد.

وبناءً عليه، يجب على الجيش الباكستاني المعتدي ومن يؤيده من العلماء أن يتقوا الله، ويدركوا أن دماء الناس معصومة، ولا يجوز لأي أحد أن يبيحها أو يسعى في سفكها. كما يجب على أصحاب النفوذ أن يمنعوا أولئك المفتين الذين يبررون قتل الأبرياء، لأن ذلك يترتب عليه حساب شديد عند الله تعالى.

Exit mobile version