رمضان؛ ووحشية لا تُغتَفَر من النظام العسكري الباكستاني!

خلیل تسل

لم يلبّ النظام العسكري الباكستاني، عبر تاريخه الأسود، مطالب الشعب الباكستاني ولا احتياجاته، بل ظلّ يسعى دائمًا إلى إظهار نفسه قويًّا من خلال ممارسة العنف والرعب والعمليات المنافية لجميع المبادئ الإنسانية، بغية تحصيل الامتيازات والثناء من سادته الأجانب. وقد أثبت التاريخ أن هذا النظام العسكري لم يحقق يومًا أي مجد وطني لبلده أو لشعبه، وإنما ظلّ يتاجر بشعبه وقيمه في سبيل كسب رضا الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها من القوى الكبرى، وتحقيق المنافع المالية منها، ما أدى إلى صعود غير مسبوق في مستوى السخط الداخلي، والذي تجلّى لاحقًا في ظهور مجموعات مثل TTP و BLA (البلوش المطالبون بالاستقلال) وغيرها من الفصائل.
ويُعدّ النظام العسكري في باكستان العدو الأكبر لسياسة بلاده الخارجية، إذ رسّخ صورة باكستان في نظر المجتمع الدولي ككيانٍ مرتزق، قاتل بالأجرة، وجماعة إرهابية بالوكالة. وآخر ممارساته المخزية كانت إعلان دعمه للكيان المحتلّ على حساب غزة المظلومة وأهلها، وهو موقف لا يُمكن لأي صاحب عقل سليم تبريره. وهذا ليس غريبًا، فالنظام العسكري الباكستاني و”إسرائيل” لا يختلفان في شيء؛ فكلاهما يتكوّن من جيوش مرتزِقة وقوى قتل من خلفها تجّار يهود ورأسماليون مسيحيون وشركات داعمة للصهيونية، هدفها جميعًا منع وحدة المسلمين وازدهارهم. هؤلاء لا يعرفون مبادئ ولا قوانين ولا يعترفون بمعاهدات دولية؛ غايتهم المال، إطالة سلطة غير مشروعة، وتوسّع عسكري لا ينتهي.
وفي أحدث جرائم هذا النظام، نفّذ عمليات عمياء في ولايتي ننغرهار و”لويه پکتيا” خلال لحظات الشهر المبارك، شهر رمضان. وقد رأى العالم كله أن هذه الادعاءات كانت كاذبة؛ فلم يُقتل أي عنصر أجنبي مسلّح، ولم يُدمّر أي مركز رسمي أو حكومي، بل استُشهد عشرات المواطنين الأفغان، من نساء وأطفال وشيوخ.
إن مشاهد الخراب في منزل أحد المدنيين بمديرية بهسودو في ننغرهار، ودموعه المصحوبة بالآلام، تكسر قلب كل من يحمل ذرة إنسانية، ويعجز الضمير البشري عن تحمّلها، خصوصًا في ظلمة المساء وأجواء الصيام. وما يزيد الألم أن النظام العسكري يجرؤ بعدها على الادعاء أنه استهدف أعداءه وإرهابيين. لا شك أن أفغانستان اليوم ليست ملجأً للإرهاب، لكن النظام الباكستاني قد استهدف بالفعل “أعداءه الحقيقيين”؛ وهم الشعب الأفغاني نفسه، الذي يعدّه النظام العسكري خصمه الأول. فمن جهة يدفع بالفقراء اللاجئين الأفغان إلى الخروج من باكستان قسرًا، ويهدم منازلهم على رؤوسهم، ومن جهة أخرى يقتل أبناءهم على أرضهم في عمليات وحشية لا يقبلها أي قانون أو شريعة في العالم.
وقد أكدت وزارة الدفاع في الإمارة الإسلامية بوضوح أن مثل هذه الأعمال لن تمرّ دون ردّ، وأن الردّ سيأتي في الوقت المناسب، وهو موقف ينسجم مع تطلعات الشعب المجاهد في أفغانستان. وعلى الشعب الباكستاني أن يدرك أن الإمارة الإسلامية والشعب الأفغاني المظلوم دائمًا على الحق، ولم يصدر منه أي فعل غير قانوني تجاه باكستان. بل النظام العسكري نفسه هو من لم يرحم شعبه داخل باكستان، ولم يترك لبلده سمعة طيبة خارجها، ولذلك بات مكروهًا ولا يوجد بلد يحتفظ له بذكر حسن.
إن أفغانستان اليوم ليست تلك الدولة السابقة التي يتلاعب بمصيرها الأميركيون أو قوات الناتو، ولا هي الحكومة التي يمكن أن تلتزم الصمت لأجل مصالح ظاهرة أو خفية. بل إن أفغانستان اليوم أقوى من أي وقت مضى، قادرة على الدفاع عن نفسها، صاحبة موقف مستقل ورؤية واضحة، وستأخذ ثأرها لا محالة، وتحافظ على قدرتها الدفاعية.
الحقيقة الأساسية هي أن النظام العسكري الباكستاني يرفض الاعتراف بهذا الواقع، ويحاول إلصاق أخطائه ونتائج سياساته الفاشلة بالآخرين. وهذه سياسة لا يمكن للتاريخ الأسود لباكستان أن يمحوها. والأسوأ من ذلك أن هذا النظام لطالما تاجر باسم الإسلام والمسلمين، ولم يتردد في أي صفقة تُسيء للإسلام، بينما الشعب الأفغاني المسلم ظل وفيًّا لدينه، لم يقبل يومًا المساومة عليه، وقدّم التضحيات المتتابعة، وله تاريخ طويل من الشهادة.
يجب أن نؤمن أن صرخات الأطفال والنساء الأفغان الذين استُشهدوا مساء رمضان ستؤتي ثمارها، وأن ورثة الشهداء – نظام الإمارة الإسلامية – سيدافعون عن شعبهم بكل وسيلة. يقول المثل البشتوي: “عندما يوشك النمل على الهلاك ينبت له جناحان”؛ ويمكننا اليوم القول بثقة إن أيام النظام العسكري الباكستاني باتت معدودة، وإن العدالة الإلهية ستأخذ حقّ الشعب الباكستاني نفسه، وستحاسب هؤلاء القتلة المرتزقة.
أما الحكومة المدنية في باكستان – التي تُفترض أنها تمثّل سلطة الدولة – فعليها أن تكفّ عن ذرّ الرماد في العيون، وأن تعترف علانية بأنها تعيش تحت قهر الجنرال منير وأجهزة الاستخبارات الأميركية. فهذه الحكومة الشكلية ضعيفة إلى حدّ أنها لا تملك القدرة حتى على إدارة شعبها أو صون أمنه، وتُلقي بمشكلاتها وأزماتها على الآخرين، وتختلق لنفسها شخصية وهمية لا حقيقة لها.

Exit mobile version